ولا يبقى على « 1 » ذي لبّ ولا فهم ولا عقل ، ولو ولى الهوى وأطاعه الورى ، لردّ الأمور على أعقابها والآراء على أربابها . ثم أنشأت تقول « 2 » ( طويل ) :
ألا ( ما ) الهوى والحبّ يا ناس هكذا * يذلّ له طوع اللسان فيوصف
لكنه شئ قضى اللّه أنه * هو الموت لا بل هو من الموت أعنف
فأوله سهد وأوسطه جوى * وآخره شوق يحيف يجحف « 3 »
وبرح « 4 » وتسهاد وهمّ وحسرة * ( و ) وجد على وجد يزيد ( و ) يضعف
260 وسئل أعرابي عن الهوى فقال : أصمّ اللّه سمع الهوى فأعمى بصره ، فلا يكاد ينصف في حكمه ولا يعدل على من ابتلي به . ولا يكون الهوى بمشورة ولا استجماع ، ولكن يمازجه بعض خصال الحبّ : فيكون وجد صاحبه على قدر ما وجد من موافقة صاحبه فإذا كثر اتّفاق الأخلاق فيه واستحكم داء العشاق ، فعند ذلك يعظم البلاء وتقلّ « 5 » الحيلة . ثم أنشأ يقول ( كامل ) :
الحبّ أوّله شديد فادح * يوهي « 6 » القوي من الرجال ويصرع
من كان ذا حزم وعزم في الهوى * وشجاعة فالحبّ منه أشجع /
261
الفصل الثالث فيمن ذمّ العشق لارتقائهم عنه
سئل علي بن أبي طالب عليه السلام عن العشق فقال : قلوب غفلت عن اللّه فعاقبها بحب بعضها ببعض . وروي إن يوسف عليه السلام قال لزليخا بعد ما تزوّج بها « أين ذلك الشعف الذي كان لك ؟ » فقالت « لما ذقت محبة اللّه ، ذهب حبّك عنّى » قال صاحب الكتاب : إنّ المحبّة لم تذهب عنها ولكن ارتقت منها إلى ما فوق ، فحقرت هذه في جنب تلك ؛ فاشتغلت « 7 » بها عنها .
262 وروى أن رابعة نظرت إلى رباح « 8 » القيسي وهو يقبّل حبيبة من أهله ويضمّها إليه فقالت رابعة « أتحبها يا رباح ؟ » قال « نعم » قالت « ما كنت
هامش
( 1 ) عن
( 2 ) يقول
( 3 ) يحجف
( 4 ) روح
( 5 ) تقلا
( 6 ) يهين
( 7 ) استعله
( 8 ) رباح .