عليه . فإذا العلّة قد بلغت به . فلما رآني ، فرح وقال « لقد استبطأتك » فقلت « إني لم أعرف الموضع » فقال « صدقت أرأيت إن بكيت بكيت ؟ » قلت « لا أدري » قال فانفتح في البكاء فأبكاني بكاؤه « 1 » حتى خفت من بكائي الموت ثم قال لي « انتظرني الآن أقضى فتعين العجوز « 2 » على مواراة شبحي .
وتعرض لي في المنام ، فإني سأنفعك » قال فما هو إلا أن سكت حتّى قضى .
468 قال : فقلت للعجوز « هل عندك فأس ؟ » قالت « وما تصنع بالفأس ؟ » قلت « أحفر قبره » ( قالت ) « قد حفر قبره منذ أكثر من عشرين سنة » قال : فحملته أنا والعجوز إلى البئر « 3 » لنغسله . فإذا بداقّ يدقّ / الباب .
ففتحت العجوز : فإذا بفارس لم نر ( أجمل ) زيا ولا أحسن منه . فقال « قضى الرجل ؟ » فقلت « نعم » فقال « امسك » فإذا قد أعطاني حنوطا وكفنا .
قال ثم حسر عن ذراعيه وقال « صب علىّ حتى أغسله » ثم حنّطه وكفنه ، ثم قال لي « تقدّم فصلّ عليه ، فأنت أحقّ » وصلينا عليه وقبرناه ومرّ الفارس من ساعته . وبقيت متحيّرا على الفارس إذ لم أسأله « من أنت ؟ » ونسيت قول الرجل « تعرض لي في المنام » ؛ فلم أدركه إلا بعد السنة .
469 فلما كان ليلة جمعة لبست ثيابا طاهرة « 4 » وتطيّبت ولزمت المحراب عامّة ليلتي حتّى إذا كان وقت السحر ، غلبتني عيني . فرأيت كأن القيامة قد قامت ، فإذا مناد ينادي « أين الذاكرون ؟ » أين الحامدون ؟ أين الراضون « 5 » ؟
أين المحبون ؟ / قال : فكلما صاح بصنف ، قام رجل فعقد له لواء ، وتبع [ ته ] فرقه . ثم صيح بصنف نسيت اسمه ، فقام صاحبي كأن وجهه القمر ليلة البدر .
فعقد له لواء ودفع إليه وتبعه خلق كثير . وجعلت أعدو في آثارهم فلا ألحقهم .
فلما بلغ باب الجنة أستقبل بمراكب وخدم . فركب وتفرّق الذين معه إلى منازلهم ومضى به إلى قصر عظيم فدخلت في أثره فضللت لكثرة أبوابه ومحاريبه وغرفه لا أدرى أحدا ولا يستقبلني أحد . وإذا فيه ريح تكاد أن تحملني تخترق تلك الغرف والبيوت لم أر أطيب منها نسيما ولا رائحة .
هامش
( 1 ) بكاه .
( 2 ) تعاين العجائب .
( 3 ) البير .
( 4 ) طاهرا .
( 5 ) الراصون .