تنفّس الصعداء إذا نظر إلى معشوقه فتختنق نفسه في تأمور قلبه . فإذا اجتمعت انضمّ القلب ، فلا ينفرج عنه حتى يموت صاحبه . وربّما أجهده العشق والفكر ، فيتوهم أنه ، إذا رأى معشوقه ، سرّى عنه ؛ فرأى معشوقه فجأة فتخرج نفسه .
409 فأما ما سمعناه من الحكايات ، فما سمعناه ( أن ) أبا عبد اللّه أحمد بن عبد الرحمان بن محمد الهاشمي يقول « سمعت جعفر الخلدى يقول :
مررت يوما بباب حمام قطيعه ( ) « 1 » فإذا بشابّين واقفين على باب الحمام يتعاتبان فارتفع كلامهما فقال أحدهما للآخر « أيش تريد مني ؟ » فقال الآخر « روحك » فزعق الشابّ زعقة فخرّ ميّتا . فهرب الشابّ الآخر واجتمع الناس .
فعرفوه فحملوه إلى منزله .
410 فلما أتى على ذلك ست سنين حججت وكنت في الطواف ؛ فرأيت الشابّ فعرفته فجذبته إلى نفسي . فقلت « ألست أنت الذي جرى عليك كيت ؟ » قال « نعم » فأخذ بيدي وأخرجني من الطواف وقال « شهدتني ذلك اليوم ؟ » فقلت « نعم » فبكى بكاء شديدا وقال « اعلم أنّ ذلك الشابّ كان يحبّنى وكنت ابغضه . وكان مراده في طول عمره أن يحجّ ، وكنت أنا سبب منعه عن الخروج . فقد حججت عنه خمس حجّات وهذه السادسة .
إلا أنّ البارحة الأولى كنت بكيت بكاء شديدا فحملت عيني النوم . فرأيته فسلّمت عليه فلم يجب لي جوابا . فألححت عليه وبكيت بين يديه فأنشأ يقول ( وافر ) :
أتبكي - بعد قتلك لي - عليّا * ومن قبل الممات تسيء إليا
فيا قمرا برى جسمي وقلبي * وصارمنى وما أبقى عليّا
تجاف عن البكاء ولا تزده * فإنّى لا أراك صنعت شيا
411 وسمعت بعض الشيوخ بأرّجان يعرف بأبى الحسين محمد بن الجبهى ( كذا ) يقول : حججت سنة من السنين . فنزلت دارا بمكّة في ناحية شعب « 2 » علي ،
هامش
( 1 ) يمكن أن هذا الاسم على عدة أماكن حسب قول السمعاني وهو « وهي مواضع في محال متفرقة في بغداد » ( « أنساب » مادة « قطيعة » ) .
( 2 ) سعب .