405 وقال يحيي بن معاذ : حقيقة المحبة ما لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء .
وقال أحمد : سمعت أبا سليمان يقول « نظرت إلى الحق سنين ؛ ثم فتح لي باب الدنو منه تعالى ، فعرضت علي الجنّة والنار ، فما التفتّ إليهما شغلا به عنهما .
406 وقال / الحارث المحاسبي : يهيج من أحب حسن الظنّ به فاشتعل بالمطامع من قبله . فتزايد وجد المحبّة وصاح الحنين وناح الأنين « 1 » ، وتحركت المواجيد وتغيّر اللون واستبسلت الجوارح وفتر البدن واقشعرّ الجلد . وربّما صاح ، وربّما بكى ، وربّما شهق ، وربّما تحيّر ، وربّما وله ، وربّما زال عن عقله ساعة . وربّما غاص بالفطنة إلى قرار الفهم ، فاستخرج من لطيف المواهب نور البصيرة ( . . . . ) علّام الغيوب .
407 وقال عمرو بن عثمان في بلوغ أهل المحبة الغاية فقال : فنيت أسماؤه من الأرض والسماء وأبيدت نسبته وأحواله من أحوال الدين والدنيا . وأمّحت صفاته ، واختلست حياته . واصطلمت أنفاسه وعفت آثاره بلا وفاة الموتى ولا بقاء الأحياء . وصار لا اسم للفناء ولا اسم للبقاء ، ولا اسم لبقاء باق في الفناء غير الواحد الأحد . قال صاحب الكتاب : فهذا قول الإلهيين من المحبين .
وأمّا قول الفلاسفة فيها ، فسنذكرها في باب موت العشّاق من الطبيعيين إن شاء اللّه تعالى .
408
الباب الثاني والعشرون في ذكر من مات منهم عشقا .
سئل أرسطاطاليس عن السبب الذي يكون منه الإغماء على العاشق إذا نظر إلى محبوبه وما يكون منه الموت فجأة « 2 » . فقال « السبب في ذلك شدّة فرح الروح . وذلك أن العاشق ، إذا نظر إلى معشوقه فجأة ، تضطرب روحه في جوفه فرحا . وتهرب الروح فتختفى أربعة وعشرين ساعة . ( و ) إذا اختفت روحه أغمي عليه . فعند ذلك يظنّ أنه قد مات ، فيقبرونه وهو حيّ . وربّما
هامش
( 1 ) الانية .
( 2 ) الفجاء .