أو مغلوبا أو مصطلحا أو مدروجا . هكذا إذا كان انتقاله « 1 » من المحبّة إلى المحبّة معناه إذا تناهي فيها إلى حدّ الفناء بها لها فيها .
399 فأما إذا نقل عند التناهي إلى محلّ المعرفة ، لم يكن مغلوبا بها ولا مصطلما ولا سكرانا منها ، بل تندرج نسبة المحبّ في نسبة المعرفة : فيكون محبا عارفا . فيرتفع محله عن هذه الرتبة حتى يستحق ما مضى منها فيما يرى منها ، فيذوق منها نوعا غير هذا النوع . ويكون ممن طرأت عليه المحبّة بعد المعرفة وصارت المحبّة له مقاما بعد أن كان له حالا . وهذا مقام شريف جدا عند أهل المعرفة وإلى هذا يشير القوم .
400 وأشار إليه سمنون وكان ممن غلبت عليه / المحبّة بعد المعرفة فقال ( طويل ) :
( و ) قد كنت أرى أنى بلغت من الهوى « 2 » * إلى غاية ما بعدها لي مذهب
فلمّا تفرّقنا تذكرت ما مضى * وأيقنت أنيّ إنّما كنت ألعب
401 واعلم أنّ المحبين من أهل الطبيعة تناهت محبتهم إلى ذهاب العقل والدهشة والتوحّش ؛ ثم أدّى ذلك منهم بهم إلى الهلاك والموت . وليس هكذا حال الإلهيين منهم ، فإن حال تناهيهم إما إلى اتّحاد بالمحبوب وهو الحياة الدائمة ، أو إلى مقام التوحيد وهو الوصول بالمحبوب وشهود الشواهد بالشاهد المحبوب حتى كأنها هو حقيقة كل شئ ومنه كل شئ وبه كل شئ وله كل شئ وعنه كل شئ وهو في كل شئ وسع كلّ شئ ولكلّ شئ وبكلّ شئ وعن كلّ شئ ، وكأنه لا بشئ ولا لشئ ولا عن شئ ولا من شئ ولا في شئ ولا شئ ؛ فافهم جميع ذلك إن كنت راغبا في معرفة مقامات المحبّين له
هامش
( 1 ) ان تقاله في الأصل : وفي كل شئ آية تدل على أنه واحد . وهو بيت شعر لأبى العتاهية ( طبعة بيروت 1988 ) ص 70
( 2 ) قد كنت أحسب أنى قد بلغت من الهوى - والتصويب عن « الزهرة » ( ص 197 ) حيث يرد الشطر هكذا : « وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى » .