392
الباب العشرون في قولنا شاهد ما معناه
قال صاحب الكتاب معنى قولنا شاهد يحتمل معنيين : أحدهما أنّه شاهد عدل يخبرك عن انفراد صانعه بصنعة عن سائر الصنّاع وأنّه صنعة حكيم بائن بحكمته عن كل حكيم . والمعنى الثاني أي : شاهد : معناه خاطر ينبئك عن قرب عهده بمشهد الحسن الكلّى وأنّه مختص من صانعه بالصنعة عن سائر مصنوعاته .
393 وأما معنى قول « شاهد عدل يخبرك عن انفراد صانعه بصنعته » ، فذلك أن الصناعات الخارجة عن / المعتاد تدلّ على انفراد صانعها « 1 » بصنعه ، لأن الناظر ، إذا نظر إلى تلك الصنعة البائنة عن الصناعات ، جذبته قوّة الصناعة الحكمية حتى يوافقها على صانعها ، وذلك أن الحسن الذي للمصنوع بالصنعة إنّما هو معنى من الصانع ألبسه إيّاه لا معنى من نفسه لأنه لو كان من نفسه ، لكان قبل صنعة الصانع فيه . ومثال ما قلنا أن الديباجة المنقوشة الحسنة ، لولا ما اكتسبت من الحسن من الصانع ، لكانت لعاب دودة « 2 » مستقذرة « 3 » ؛ ولكن لما ألبسها ( الصانع ) حسنا كان ذلك الحسن هو هو .
394 واعلم أن الصانع ، إذا انفرد بصنعته عن الصنّاع وبان بمذاقته عن الأشكال ، كانت صنعته شاهدا له عند من رآها ودليلا عليه عند من طلبه .
وذلك أن الرائي ، إذا رآها ، عرف أيضا صنعته من غير مخبر يخبره « 4 » . وإذا لم يكن حاذقا بائنا عن أشكاله منفردا ، فلا يعرف « 5 » صانعها لأنها صناعة عاميّة ، والصناعات العاميّة لا تدلّ على صاحبها لأنه يحتمل أن تكون صنعة كلّ واحد من الصنّاع .
395 فإذا كان صنعة الحاذق فيما بيننا بهذه المثابة « 6 » ، فكيف الصانع البائن بصنعته عن المعتاد والمعهود والخارج من المقدور ؟ فإذا كان هذا هكذا ، علمت أنّ الصانع البائن بصنعته الخارج عن المقدورات دلّت صنعته على
هامش
( 1 ) صانعه
( 2 ) لعاب وودت
( 3 ) مستقدره
( 4 ) محبر يحبره
( 5 ) ولا يعرف
( 6 ) المشابه .