وقد تقدم ذكر شواهد هؤلاء من قبل وقال الكندي : القرابة الرحمية عرض زائل « 1 » والأخوّة الشكلية جوهر ثابت .
386
الباب التاسع عشر في محبة كل ذي روح
قال صاحب الكتاب : فأما محبّة سائر « 2 » الحيوانات ، فهي ألفة الطبع ومساكنة الجنس إلى الجنس كايتلاف البهائم والوحوش والطيور ، حتى يرى الجمل يحنّ ويرغو « 3 » إذا فارق إخوانه والفرس يصهل عند مفارقة أليفه ممن اعتاد الكون معه على المعلف . وهكذا سائر البهائم والدوابّ . / وأما ألفة الكلب لأهله فهي أشهر من أن تذكر حتّى قال بزرجمهر « أخذت من كل شئ أدبا حسنا حتى الكلب والغراب والهرّة « 4 » » فقيل « ما أخذت من الكلب ؟ » فقال « الألفه « 5 » لأهله » .
387 وروي أنّ سليمان بن داود عليه السلام كان جالسا في مجلسه .
فأبصر « 6 » عصفورتين قالت إحداهما للأخرى « أتخالفينني ؟ « 7 » ولو أمرتني أن أرفع مجلس سليمان بمنقاري لأطعتك وفعلت » قال : فضحك سليمان ودعا بهما فقال للذكر « أنت القائل كيت وكيت « 8 » ؟ » قال « نعم يا نبي اللّه » قال « فما حملك على هذا القول ؟ » فقال « يا نبي اللّه المحب لا يلام » وسمعت بعض مشايخنا يقول « كنت في البادية فرأيت جملا قد أدار وجهه نحو اليمين لا يلتفت إلى جهة غيرة . فسألت الجمّال « 9 » فقلت « ما بهذا الجمل لا يلتفت / إلّا إلى يمينه ؟ » قال « كنت قطرته إلى ناقة ، ( فجاء ) فحلها « 10 » وعطف يمينا . وذهب بها فنظر هو وراءها فلم يعرّج منذ ذلك اليوم » .
388 فأما ما شاهدناه ، فإني كنت بمكة في المسجد الحرام فرأيت حمامة أنثى تدور حول حمامة ذكر ، فتتطأطأ له وتترفرف حوله وهو لا يلتفت إليها فلمّا كثر منه ومنها جاءت حمامة أخرى ذكر فتعرّض لها ودار حولها يراودها
هامش
( 1 ) ذابل
( 2 ) سير
( 3 ) يرعو
( 4 ) الهرت
( 5 ) الفقه
( 6 ) صبر
( 7 ) تخالفين
( 8 ) كيه
( 9 ) الجمل
( 10 ) في النص « فحلها » فقط بدون تشكيل .