تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
وسرّا وعلنا أو يشاركه في سماعه أحد من الأغيار ، فيفتح له في سماعه المعاني الّتي تغرب عن غيره ، فيكون سماعه على الأشكال والتّلبيس لئلّا يشاركه أحد في حاله ، وينفرد هو بوقته ، ويغيب الكلّ عن درجته وهذا مقام عزيز . « 1 »

فصل ( 50 )

إنّ اللّه تعالى ألزم الخلق العبوديّة في الميثاق الأوّل ، لقوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
( 7 : 172 ) فأقرّوا له بالرّبوبية ، ولأنفسهم بالعبوديّة ، فمن ادّعى بعد ذلك الميثاق لنفسه حالا أو قوّة أو استطاعة أو ملكا فقد نقض ذلك الميثاق . قال اللّه تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
( 16 : 75 ) . ومن خالف الميثاق الأوّل فحريّ ألّا يتمّ له [ 224 آ ] بعد ذلك عقد ولا عهد . وأسوأ العبيد أدبا عبد يرجع إلى غير مولاه في حوائجه ، ومولاه هو الغنيّ المالك للأشياء كلّها . لذلك قال الجنيد : « معبودك أوّل خاطر يخطر لك عند المهمّات » . فالعاقل الموفّق من العبيد من لزم باب سيّده وأنزل به حاجته واستغنى به عن الأكوان وما فيها فاللّه تعالى إذا ذاك يكفيه كلّ شيء . قال اللّه تعالى :
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
( 65 : 3 ) ، وقال تعالى :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
( 41 : 53 ) . فمن العبيد عبيد استغنوا برعاية ذلك الميثاق على ظواهرهم ، وهم الزّهّاد والمتقرّبة « 2 » وأرباب المجاهدات . ومنهم من طلب ظاهره وباطنه بملازمة الميثاق الأوّل فطالب نفسه في الظّاهر باتّباع الأوامر ولزوم المجاهدات ، وطالب باطنه بالإخلاص والرّضا والصّدق ، وهو ما ذكر اللّه في كتابه في قوله :
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
( 22 : 32 ) . وتقوى القلب خلاف تقوى النّفس ، فإنّ تقوى النّفس لزوم الورع في الأفعال والمطاعم والملابس ، وتقوى القلب الرّضا بالقضاء والصّبر على البلاء . لذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا إنّ التّقوى هاهنا » « 3 » وأشار إلى صدره ، أي حقيقة التّقوى أن يتّقي العبد ظاهرا وباطنا ، فتقوى الظّاهر لا يخلو من الخلل وتقوى الباطن أسلم .
هامش
( 1 ) . الفصلان 47 و 49 قريبان جدّا ولعل واحدا منهما رواية عن الآخر . ( 2 ) . هكذا في الأصل ، ويظهر علامة التصحيح فوق هذه الكلمة بالحرف « ظ » ولعلّ ذلك من شكّ الناسخ . ( 3 ) . رواه مسلم ، كتاب البر والصلة والآداب ، الحديث رقم 2564 ، بلفظ « التّقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات » . وفي مسند الإمام أحمد ، في تابع مسند البصريين ، بلفظ « التّقوى هاهنا ، التقوى هاهنا مرتين أو ثلاثا وأشار بيده إلى صدره » .