أخلص أفعاله وصفى سرّه أكرم بنور اليقين ، فيبصر بنور اليقين موارد الأمر ومصادره وينازل الأحوال منازلة المتحقّق فيها ويرتقي من [ 221 ب ] درجة حقيقة الإيمان إلى مقام الإحسان ، فيعمل على المشاهدة في هذه الحال ، لا تعترض عليه العوارض والعلل ، وإنّ محلّ المشاهدة والدّنوّ أسقط عن العبيد أوصافهم فإنّه لا يصلح لبساط القرب إلّا المنزّهون عن التّلوّن والعلل .
فصل ( 47 )
المتحرّكون في السّماع والأذكار على وجوه : فمتحرّك بطبعه بسماع نغمة طيّبة وصوت حسن كحال العوام ، ولا يكون له في حركته دعوى ولا وقت ولا حال ، وهو كاللّعب المباح ، لا حكم له ولا عليه ، إلّا أنّه ربّما يتحرّك فيتسلّى بحركته مستمع مغلوب ويأنس به ويستروح عن كمده ، فربّما يعود عليه من ذلك بركة . وتائب يسمع على الأسف والحزن والخوف أسفا على ما مضى من أيّامه ، وخوفا فيما هو فيه . ومريد « 1 » يسمع الذّكر فيحرّكه ذكر آلاء اللّه ونعمائه وفضله وإحسانه . وعارف حرّكه ما يسمعه من أسماء اللّه عزّ وجلّ وصفاته فيهيم فيه ، وربّما يأنس به . ومحبّ حرّكه شوقه إلى محبوبه ونزاعه إليه ، ربّما امتلأ في وقته وغاب في وقته ، فشاهد من لوامع القرب حالا لم يوصل إليه ، يبدو له منه كلمع برق ، ثمّ يخفى فيحرّكه ذلك ، وهذه حركة لا تتّصل ولا تدوم . وواصل يسمع بغيبته عن الأحوال وحصوله في الحضرة ، فلا يؤثّر عليه من السّماع شيء لعلوّها له عن الرّجوع إلى حدود المرسومات ، فإنّه خارج بوقته عن حدود التّمييز ، إلّا أنّه ربّما يرد عليه من السّماع [ 222 آ ] ما يوافق حال وقته فيؤثّر فيه ، وذلك لإظهار عجز العبوديّة . ومستقيم فني عن أحواله وأوقاته يرد عليه السّماع ويصدر وهو واقف على استقامته لا يؤثّر فيه السّماع المرسوم ، لأنّ له في كلّ مسموع حكمة ، وفي كلّ ملحوظ عبرة ، فهو مستمع بسرّه وقلبه من الحقّ كلّ أوان وحين حقّا بحقّ لا يشوبه كدورة ولا طبع ولا صورة ولا نطق ، ويشهد ما سمعه . قال اللّه تعالى :
أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
( 50 : 37 ) . فيلقي سمع القلب إلى الحقّ ،
هامش
2985 ؛ وابن ماجة ، كتاب الزهد ، الحديث رقم 4202 بلفظ « قال اللّه تبارك وتعالى : أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك . من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه » .
( 1 ) . في الأصل : مريدا .