يصبر على أذاهم » . « 1 »
فصل ( 52 )
يتولّد الحياء من دوام المراعاة ، وحسن المراقبة ، ورؤية اطّلاع اللّه عليه في الأحوال فيتفكّر فيما جرى عليه وهو مطّلع عليه فيلزمه ذلك الحياء . وصحّة الحياء هو حياء العبد من قلّة حيائه ، ومن لم يراقب قلبه ولم يراع « 2 » باطنه ولم يحاسب نفسه على دوام الأوقات ولم يتفكّر فيما مضى من أيّامه فلا حياء له « 3 » لأنّ الحياء نتيجة اليقظة ، ومن تفكّر في طاعاته وموافقاته وقلّة إخلاصه فيها وحضوره وشوبها بالرّياء ورؤية الخلق والوصول به عليها استحيى من جميع طاعاته ، فكيف في المخالفات والمعاصي ؟
والحياء هو الّذي يقوم العبد ويبلغه إلى محلّ الإخلاص . والحياء من أوّل درجة الإيمان .
قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « من « 4 » يعظ أخاه في الحياء دعه ، فإنّ الحياء من الإيمان » . « 5 » وحياء العارفين من علمهم بتقصيرهم في معروفهم ، وتقصيرهم في القيام بمواجبه [ 225 ب ] وبعدهم عن درجة الحقيقة في معرفتهم من غفلة فيها أو التفات أو خطرة أو همّة في شيء سواه فألزمهم ذلك من الحياء أكثر ما ألزم العصاة في معاصيهم ، لأنّ سوء الأدب في القرب ليس كسوء الأدب في البعد . ولذلك قيل : « يطالب الأنبياء بمثاقيل الذّر لقربهم من المصادر » .
فإذا كان كذلك فالعارف لا يفارقه الحياء لعلمه بالتّقصير في المعرفة وشروطها . والحياء يلازم العبد إذا غفل في كلّ مقام لعلمه بالقصور فيه عن محلّ الواجب . والحياء ألزم قلوب الصّدّيقين الانكسار وأبدانهم الذّبول وأسقط عنهم الدّعاوي ، وصغّرهم في أعينهم ، وقلّل أفعالهم وعباداتهم عندهم ، وعظّم حرمات المسلمين عندهم حيث لم يعلموا منهم ما علموه من أنفسهم ، فعظّموا المسلمين على حسن الظّنّ بهم على ظواهرهم وصغّروا أنفسهم لما تحقّقوا من شرورها وقلّة موافقتها مع الحقّ .
فمن علامة حقيقة الإسلام تذليل النّفس وتعظيم المسلمين ، فالمسلم يكون صغيرا في
هامش
( 1 ) . رواه ابن ماجة ، كتاب الفتن ، الحديث رقم 4032 ؛ وفي مسند الإمام أحمد ، في مسند عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه .
( 2 ) . في الأصل : ولم يراعي .
( 3 ) . في الأصل : « فأحياه » ، ويظهر علامة التصحيح فوق هذه الكلمة بالحرف « ظ » ولعلّ ذلك من شكّ الناسخ .
( 4 ) . في الأصل : « لمن » ، ويظهر علامة التصحيح فوق هذه الكلمة بالحرف « ظ » ولعل ذلك من شكّ الناسخ .
( 5 ) . متفق عليه .