تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
ويسمع منه ويشهد ما سمعه ، فهذا لا يوصف بوصف ولا يربط بحال . ومنهم من يغار الحقّ على ظاهره وباطنه أن يكون له حال يعرف ، أو يشاهد فيغار على القلب من مطالعة السّرّ على سماعه ، ويغار على الظّاهر من مسكنة الأغيار فيفتح له طريق السّماع على التّلبيس والأشكال لئلّا يشاركه في وقته وحاله أحد ، وينفرد هو بوقته وحاله ويتمتّع به ، فيكشف له المعاني الّتي تغرب عن غيره ليكون هو منفردا في حال سمعه كانفراده بحاله ووقته . وهذه من مقامات الأئمّة ، كما سئل الكتّاني « 1 » عن التّصوّف ، فقال : « منتهى إلى الأشكال والتّلبيس » .

فصل ( 48 )

صحّة مقام العاملين في معاملاتهم مع اللّه تعالى على وجوه . فعبد تكون جوارحه متحرّكة بخدمة ، وأوامره على آداب الأوقات ، وقلب مزيّن بصفاء الإخلاص فيمنع من دخول رياء عليه وسمعة . [ 222 ب ] فإنّ القلب أمير البدن والأعضاء لا تتخطّى إلى سوء الأدب إلّا إذا غفل القلب عنها . كذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد . ألا وهي القلب » . « 2 » وإذا أخلص القلب فالواجب أن يكون في إخلاصه حاضر الفهم ، طاهر السّرّ ، مشرف الرّوح بأنوار الإيمان ، فيبتدي في معاملته اتّباع الأمر على حسب ما أمر ، ثمّ بمتابعة السّنّة فيه ، ثمّ بمطالبة الإخلاص فيه ، ثمّ بطلب الصّدق في الإخلاص لتتمّ له المعاملة على حسب ما أمر به . وإذا صدق في أفعاله واستعمل السّنّة في معاملاته صفى سرّه وأشرف روحه وجال في الملكوت وأطلع على خزائن الأحكام ، ويكون في معاملاته على مقام المشاهدة ، لا يطالع فعله ولا يشاهده ولكن يشاهد ما يعامل به ويجري عليه ، والمعاملة بينك وبين الحقّ . والعارفون يطالعون معاملة الحقّ معهم فمن شاهد معاملته ربّما أدّاه ذلك إلى الافتخار بها أو تعظيمها ومن شاهد حسن معاملة اللّه معه صغر في عينه أفعاله وحركاته ؛ لعلمه بأنّ الكلّ من ذلك إليه وليس منه شيء فيرجع رؤيته عن فعله فيستحيي أن يرى فعله أو يذكره بعد أن شاهد معاملة اللّه معه
هامش
( 1 ) . وهو محمّد بن عليّ بن جعفر الكتّانيّ وكنيته أبو بكر ويقال : أبو عبد اللّه . وأبو بكر أصحّ . أصله من بغداد ، صحب الجنيد وأبا سعيد الخرّاز وأبا الحسين النوريّ . أقام بمكّة مجاورا بها إلى أن مات . وكان أحد الأئمّة . حكي عن أبي محمّد المرتعش أنّه كان يقول : « الكتّاني سراج الحرم » . مات سنة 322 . طبقات الصوفيّة 373 . ( 2 ) . سبق تخريج هذا الحديث في الفصل السابق .