تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩

فصل ( 51 )

الخلوة والعزلة لأحد رجلين في ظاهر العلم . [ 224 ب ] رجل تيقّظ من سنته وانتبه من غفلته ، ونظر إلى ما مضى من عمره وتفكّر فيما جرى عليه من تعظيم أوقاته وما أمر به ، وما خلق له وعلم أنّه لا يصحّ له تدارك ما فرط فيه مع معاشرة الخلق وصحبتهم ومداخلتهم ومعاملتهم ، فاعتزل عنهم وخلا بوقته يستدرك فيما يبقى « 1 » من عمر ما فرط منها وما أهمله في سوابق أيّامه وما قصر فيه من الطّاعات ، وعلم أنّه مطلوب من جهة من لا يفوّته ، ومسؤول من قبل من لا يخفى عليه سرّ ولا علانية يقرّب أجله ويباعد أمله ، ويجتهد كلّ الاجتهاد ، وهذا العبد واجب عليه أن يعرض أحواله في كلّ وقت وحال على العلماء لئلّا يستحوذ عليه الشّيطان فيهلكه . فإنّ من لم تكن خلوته بعلم أو رجوع إلى علم العلماء فإنّ الشّيطان يلعب به ويرفعه في الظّنون والاغترارات . قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الشّيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد » . « 2 » وعبد عرف شرور نفسه فأحبّ أن يعتزل النّاس ليسلم الخلق من شرّه ، لا ليسلم هو من شرورهم . لأنّ من عرف شرّية نفسه لا يعتمد عليها ولا يسكن إليها ويجتهد في إصلاح فسادها ، فتيقّن من نفسه من الشّرّ ما لا يتيقّن من غيره فلازمها « 3 » الخلوة ليستريح النّاس من شرّه . وهذا عبد عرف نفسه ، واللّه تعالى بفضله يمكّنه من إصلاح شرّها . وعبد اعتزل بقلبه وسرّه [ 225 آ ] على الخلق وأطلق ظاهره لمعاشرتهم ومخالطتهم فلا يؤثّر من ظاهره على باطنه شيئا لأنّه أخلص في باطنه مع اللّه ، وأباح ظاهره لعبيده وهذا من قوّة وقته وتمام حاله وهو ما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن القوي أحبّ إلى اللّه من المؤمن الضّعيف » . « 4 » وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن الّذي يخالط النّاس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الّذي لا يخالط النّاس ولا
هامش
( 1 ) . في الأصل : يفنى . ( 2 ) . الترمذي ، في أبواب الفتن ، الحديث رقم 2254 . وفي مسند الإمام أحمد ، أوّل مسند عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه . وفي مستدرك الحاكم ، كتاب العلم ، الحديث رقم 387 . ( 3 ) . بياض في الأصل من أثر الأرضة بمقدار كلمتين . ( 4 ) . رواه مسلم ، كتاب القدر ، الحديث رقم 2664 ؛ وابن ماجة ، في الإيمان ، وفضائل الصحابة ، والعلم ، الحديث رقم 79 ، وفي كتاب الزهد ، الحديث رقم 4168 ؛ ومسند الإمام أحمد ، في مسند أبي هريرة رضي اللّه عنه .
مجموعة آثار السلمي — صفحة 219 | أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي