تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
وفعله به ، كما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » . « 1 » فمن علم اطّلاع اللّه [ 223 آ ] عليه أو فتح عين قلبه لمشاهدته قصر طرفه عن رؤية شيء من أفعاله وأحواله .

فصل ( 49 )

المتحرّكون في سماعهم على درجات . منهم من حركته حركة الطّبع لسماع نغمة طيّبة وصوت حسن ، وهذا حال العوام لا حكم لها ولا عليه . ومنهم من يكون ذلك حرفته ، فذلك كاللّعب المباح ، إلّا أنّه ربّما يتسلّى بحركته مكمد في سماعه ويستروح به متحقّق ، فيعود على هذا المتحرّك بركات ذلك . ومنهم تائب يحرّكه عند سماع الذّكر أسفه على مضيّ أوقاته على المخالفات ، ويتذكّر أيّامه في البطالات ويخاف في الوقت على تصحيح توبته وقبولها فيحرّكه ذلك ويزعجه ، وهذه حركة غير مذمومة . ومريد حرّكه علمه بقصور في إرادته عن الواجب وربّما حرّكه فيه إذا صحّت له الإرادة ذكر آلاء اللّه ونعمائه وهو في تلك الحركة معذور . وعارف يحرّكه ما يسمعه من أسماء الحقّ وصفاته فيهيم فيه ويتحرّك وفي حركته بركات . ومحبّ حرّكه شوقه إلى محبوبه وقلّة صبره عنه فبحركته يطيب المجلس وتأنس قلوب الحاضرين . ومتمكّن ربّما امتلأ في وقته وغاب في وقته عن وقته ، فشاهد من لوامع القرب حالا لم يصل إليه ولم يبلغه ، فربّما تبدو منه حركة ويكون ذلك خطوة أو صيحة لا تتّصل ولا تدوم . وواصل يسمع بغيبته عن الأحوال وحصول في محلّ الحضرة ، فلا يؤثّر عليه السّماع لعلوّ [ 223 ب ] حاله وشرف مقامه بحصوله في محلّ يؤثّر فيه جريان الحوادث ، وذلك عند سقوط التّمييز والأوصاف عنه فلو سئل عن أوصافه لأخبر عن أوصاف الحقّ . ومستقيم في أحواله وأوقاته لا يكون له مرسوم ولا معهود ، يرد عليه السّماع ويصدر وهو فان عن الاستماع والسّماع لأنّه لا يسمع إلّا به أو منه ، وله في كلّ نظرة عبرة ، فإنّ الحقّ قد فتح بصره وتمّم عليه بصيرته فربّما يسمع في سرّه من غير سماع الظّاهر سماعا لا يشوبه كدر ولا طبع ولا صوت ولا حرف ولا كلام . وذلك إذا سمع من اللّه ، فيلقى إليه السّمع وهو شهيد ، وهذا لا يوصف بحال ولا يربط بوقت . ومنهم من يغار الحقّ عليه أن يسمع ظاهرا وباطنا
هامش
( 1 ) . متّفق عليه .
مجموعة آثار السلمي — صفحة 217 | أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي