صلّى اللّه عليه وسلّم سائقه ، وسير الأئمّة والصّالحين منهاجه ، وصحبة الصّالحين خدنه ، والأنس بالفقراء مجلسه ، والنّظر فيما بين يديه فكرته ، والأسف على ( ما ) مضى من عمره وأوقاته ضجيعه ، ويقرّب أجله ويباعد أمله ، ولا يتأسّف من الدّنيا على فائت ، ولا يفرح منها بحاصل ، وإنّ الفائت منها راحة والحاصل منها تعب ، ويكون مشفقا على الخلق ، برّهم وفاجرهم ، يصحب مع المطيعين بالتّواضع ومع العصاة بالشّفقة ليحملهم بركة شفقته على سبيل النّجاة ، ويصحب الخلق على شرط السّلامة . هذه وما أشبهها من علامات الحكماء .
واللّه أعلم .
فصل ( 46 )
صحّة مقامات أهل المقامات في معاملاتهم مع اللّه تعالى أن تكون [ 221 آ ] جوارحهم متحرّكة بخدمته وأوامره على دوام الأوقات بحسب الطّاقة والاستطاعة ، فإنّ اللّه تعالى يقول :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
( 64 : 16 ) . فمن جعل من استطاعته شيئا من غير التّقوى والطّاعة ضيّع مثله من الأمور . وتكون قلوبهم متطلّعة بصفاء الإخلاص إلى ما يجري على الجوارح فلا يمكّنها من أسباب الرّياء ، فإنّ القلب أمير على الجوارح ، برعايته يكون تقويم الجوارح ، فإذا غفل القلب عنها تتخطّى « 1 » الجوارح سوء الأدب . لذلك قال اللّه تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
( 50 : 37 ) أي قلب حاضر مع الحقّ يتلّقف منه الفوائد فيفيضه على الجوارح . وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح لها سائر الجسد . ألا وهي القلب » . « 2 » والقلب مخصوص بتقليب الحقّ ونظره إليه ، فيكون ابتداء معاملته على موافقة الأمر على اتّباع السّنّة ، ثمّ يزيد في معاملته طلب الإخلاص فيها ليتمّ له بها اتّباع الأمر . قال اللّه تعالى :
وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
( 98 : 5 ) . فإذا أخلص في عمله صفى سرّه عن الشّرك الخفي والجليّ . قال اللّه تعالى :
وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
( 18 : 110 ) ، وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حاكيا عن ربّه تعالى : « من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء » . « 3 » وهذا للّذي أشرك ثمّ إذا
هامش
( 1 ) . في الأصل : تحضى ، وما أثبته من فصل 47 حيث ورد : « والأعضاء لا تتخطّى إلى سوء الأدب إلّا إذا غفل القلب » .
( 2 ) . متّفق عليه .
( 3 ) . مسند الإمام أحمد ، في مسند أبي هريرة رضي اللّه عنه . ورواه مسلم ، كتاب الزهد والرقائق ، الحديث رقم