أفعاله ، حكيما في أقواله ، حكيما في أحواله ، وإذا لم يكن هكذا يقال له ناطق بالحكمة ، ولا يقال له حكيم » . « 1 » وإذا كان بهذه الصفة أنّه « 2 » استغنى الخلق بمشاهدته عن نطقه وكلامه . فإنّ بركة مشاهدته تغني عن مفاوضته . ومن علامة الحكيم أن تكون رؤيته حكمة ، وأفعاله قدوة ، ومجالسته بركة ، ينتفع الإنسان منه بجميع أحواله ويتّعظ بكلّ أفعاله . فإذا كان [ 220 ب ] بهذه الصّفة كان حكيما . وإن لم تظهر حكمته إلّا بنطقه وكلامه فهو حكيم القول غير حكيم الفعل والحال ، وهو كما قال رجل لذي النّون : « 3 » « من أصحب ؟ » قال : « اصحب من يعظك بلسان فعله لا بلسان قوله » . ومن لم يكن لك في مشاهدته نفع « 4 » وزيادة فكلامه لك أقلّ نفعا . كذلك سمعت جدّي رحمه اللّه ، « 5 » يقول : « من لم تهذّبك رؤيته ، فاعلم أنّه غير مهذّب » . « 6 » ومن علامة الحكيم قطع علائق الدّنيا عن باطنه وظاهره ولا يتكلّم إلّا في وقت يتعيّن عليه فرض الكلام ، ثمّ يتكلّم بمقدار ما يسقط عن نفسه ذلك الفرض ولا يتّبع مراد النّفس وهواها ، ولا يسكن إلى مألوفات الطّبائع ( و ) يجعل كتاب اللّه تعالى قائده ، وسنّة النّبيّ
هامش
عبد اللّه بن محمّد بن عبد الرحمن الرازي ، يقول : « لقيت الجنيد ورويما ويوسف بن الحسين ومحمّد بن الفضل وأبا علي الجوزجانيّ وغيرهم من المشايخ ، فلم أر أحدا أعرف بالطّريق إلى اللّه عزّ وجلّ من أبي عثمان » . مات أبو عثمان بنيسابور سنة ثمان وتسعين ومائتين . طبقات الصوفية 170 - 175 .
( 1 ) . حقائق التفسير 1 / 378 .
( 2 ) . هذه الكلمة غير واضحة في الأصل من أثر الأرضة .
( 3 ) . من أوائل مشايخ الصوفية وأقدمهم . يقول فيه السلمي : ومنهم ذو النون إبراهيم المصري ، أبو الفيض . ويقال ثوبان بن إبراهيم ، وذو النون لقب . ويقال : الفيض بن إبراهيم . توفّي سنة خمس وأربعين ومائتين وقيل : سنّة ثمان وأربعين . ومن الرواية الّتي يرويها السلمي عن إبراهيم بن يونس ، يقول : سمعت ذا النون ، يقول : « إيّاك أن تكون بالمعرفة مدّعيا ، أو تكون بالزّهد محترفا ، أو تكون بالعبادة متعلّقا » . وبه قال : سمعت ذا النون ، سئل : « ما أخفى الحجاب وأشدّه ؟ » قال : « رؤية النّفس وتدبيرها » . طبقات الصوفيّة 15 - 26 .
( 4 ) . في الأصل : نفعا .
( 5 ) . وهو أبو عمرو بن نجيد ، جدّ أبي عبد الرحمن السلمي ، صاحب « فصول في التصوّف » . يقول السلمي في جدّه :
ومنهم أبو عمرو بن نجيد ، وهو إسماعيل بن نجيد بن أحمد بن يوسف بن سالم بن خالد السلميّ ، جدّي لأمّيّ رحمه اللّه . صحب أبا عثمان الحيري وهو من كبار أصحابه ، وهو آخر من مات من أصحاب أبي عثمان ، ولقي الجنيد ، وكان من أكبر مشايخ وقته ، له طريقة ينفرد بها ، من تلبيس الحال وصون الوقت . سمع الحديث ، ورواه وأسند الحديث وكان ثقة . مات سنة ست وستّين وثلاثمئة . طبقات الصوفية 454 - 457 .
( 6 ) . هذه الرواية أوّل ما يروي السلمي عن جدّه في طبقات الصوفية 454 .