من صحّ له هذا المقام فخرج عن جملة ما كان في يده بأوّل مرّة لصدقه وأمانته كالصّدّيق الأكبر رضي اللّه عنه ، كان ينتظر أمرا يرد عليه بإخراج ما ملكه وتملّكه . قال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ماذا أبقيت لنفسك ؟ » قال : « اللّه ورسوله » « 1 » ( أي ) إني أبقيت لنفسي الّذي ملكني وهو الغني الجواد القادر على أن يملكني مثله أو يعينني بما سواه ، ولم يعرج على شيء إلّا على الّذي دعاه الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم والّذي هداه وهو [ 220 آ ] الحقّ . قال تعالى :
وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( 10 : 25 ) .
وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « بعثت داعيا » . « 2 » والباقون من الأمّة اعترضهم العلل من تمام الصّدق ، فلكلّ حاله ، ووفّق على قدر صدقه ، وظهر سبق الصّدق لمن سمّي صدّيقا .
فصل ( 45 )
الحكمة تتولّد من صحّة الفكرة ، ومراعاة السّرّ ، ومراقبة الجوارح ، ورؤية آلاء اللّه ونعمائه . فإذا صحّت له هذه المقدّمات أورثه ذلك حكمة . والحكمة كلّ صواب من القول ورّث فعلا صوابا أو حالا صحيحا . وعلامة صحّة الحكمة وشفقة الحكيم ظهور منفعة كلامه على المستمعين وحثّهم على ذلك على ما يوجبه حكم الحكمة من متابعة الكتاب والسّنّة ، ومجانبة الأهواء والبدع . فإذا رأيت الرّجل يتكلّم بالحكمة ولا ينتفع بكلامه وحكمته أحد أو لا يقع في قلوب المستمعين فاعلم أنّه حاك أو مستدرج أو مفتون . كذلك قال أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري : « 3 » « لا يكون الرّجل حكيما حتّى يكون حكيما في
هامش
( 1 ) . الحاكم ، كتاب الزكاة ، الحديث رقم 1510 . الترمذي ، أبواب المناقب ، الحديث رقم 3757 عن عمر بن الخطّاب ، بلفظ : « أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن نتصدّق ووافق ذلك عندي مالا ، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما . قال : فجئت بنصف مالي ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله .
وأتى أبو بكر بكلّ ما عنده ، فقال : يا أبا بكر ، ما أبقيت لأهلك ؟ فقال : أبقيت لهم اللّه ورسوله . قلت : لا أسبقه إلى شيء أبدا » . ورواه كذلك أبو داود في كتاب الزكاة عن أبي بكر رضي اللّه عنه ، بلفظ : « فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم اللّه ورسوله » .
( 2 ) . ذكره العقيلي في الضعفاء ، ج 2 ، الحديث رقم 410 ، عن خالد بن عبد الرحمن أبو الهيثم . وقال الدارقطني : « لا أعلمه روى غير هذا الحديث الباطل » . وذكره السيوطي في الجامع الصغير ، حرف الباء ، وقال : « ضعيف » .
( 3 ) . يقول فيه السلمي : ومنهم أبو عثمان سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور الحيري النّيسابوريّ ، وأصله من الرّي . صحب قديما يحيى بن معاذ الرازي وشاه بن شجاع الكرماني ، ثمّ رحل إلى نيسابور إلى أبي حفص وصحبه وأخذ عنه طريقته . وهو - في وقته - من أوجد المشايخ في سيرته ، ومنه انتشر طريقة التّصوّف بنيسابور . سمعت