تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
والوحشة من الأغيار [ 219 آ ] أجمع . واللّه تعالى سمّى الصّادقين رجالا ، فقال عزّ وجلّ :
رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
الآية ( 33 : 23 ) . والصّدق ميزان الأفعال ، به يعلم استقامتها ورجحانها وحسنها ونقصانها . والصّدق مرآة الأحوال ، به يعرف العبد صحّتها وعلّتها ، والصّادقون هم المشرفون على أرباب الأحوال ويعرفون الزّائد فيها من النّاقص ، والمستقيم من المعوج ، والقوي من الضّعيف . والصّادقون المؤدّبون لأهل المعاملات بأنواع التّأديب ، والحاملون إيّاهم على طلب سبل الإخلاص وطرق النّجاة من الرّياء والسّمعة ورؤية الخلق والسّكون إلى النّفس والاعتماد على الأفعال . والصّدق من أعلى المراتب ، لا يصبر عليه إلّا مستقيم الظّاهر والباطن . قال اللّه تعالى :
فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
( 47 : 21 ) . والصّادقون هم أمناء اللّه في الخلق ، قاموا باتّباع الأوامر على حدود السّنن للاقتداء بهم ونصحوا الخلق ، وقاموا مقام الشّفقة عليهم . عقلوا عن اللّه فهوم مخاطباته وبواطن أسراره بصدق . والصّدق كما عقل العوام ظواهر مفهوم الخطاب فهم على منهاج الورع ، والعوام على ظواهر الشّرع والأحكام ، فأمور اللّه على حدّ أدقّ من السّيف ، إن التفتوا فيه إلى شيء هلكوا ، وكيف يهلكون أو تجري عليهم الالتفات وهم محفوظون بالرّعاية ومصانون بالكلّيّة ؟ فلا يهلكون ولا يهلك بهم أحد ، وطهّروا من أنواع الفتن ، فلا يفتتن بهم أحد . فإذا كانوا [ 219 ب ] في المجاهدة قالوا : « اللّه أوجدنا وأوجد هذه الجوارح وركب فيها القوّة ووفّقنا بأمر من أموره » . فيرى العوام أفعالهم ويطلبون الجزاء عليها ، وهم يرون نعمة اللّه عليهم فيما أهّلهم لخدمته ووفّقهم عليه ، ويرون تقصيرهم في القيام بشكر هذه النّعمة . وفرق بين من يرى تقصيره في القيام بشكر ما أنعم اللّه عليه وبين من يطلب بما أنعم جزاء وثوابا ويعمى عن شكر النّعمة عليه فيه . وإذا كانوا في الأحوال ومراتب المقامات قالوا : « منه مورده وإليه مصدره وأنت فيما بين ذلك شبح يجري عليك أحكام إرادته ومشيئته فليس لك في أحوالك وأفعالك - إن كنت من أهل الصّدق - إلّا رؤية العجز عن القيام بشيء من مواجبه ، لأنّ الكلّ إليك وليس منك في الحقيقة شيء » . وإذا ملكوا شيئا ملكوها على سبيل التّمليك ، لا على جهة الملك ، يأخذونه بإذن ويخرجونه بأمر ، فهم خزّان اللّه في الأرض ، فمنهم