تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩

فصل ( 42 )

للّه عباد قد استردّهم من مكنون علمه ، وأشرفهم على خزائن سرّه ، وجعلهم أهل الفهم والأمناء في الخلق يحكمون فيهم بحكم اللّه ويعرفون منهم ما لا يعرفون من أنفسهم ، ذلك لاطّلاعهم بنور الحقّ على أسرارهم . قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه » . « 1 » فهم يعرفون الخلق بالوسم لا بالرّسم . قال اللّه تعالى :
يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ
( 7 : 46 ) ، وقال :
تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ
( 2 : 273 ) ، وقال :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ
( 15 : 75 ) . فهم بنور اللّه ينظرون إلى الخلق ، وبحكمه يحكمون فيهم ، فهم عيون اللّه في الأرض ، والعالمون به والمشرفون على أسرار الخلق والمخبرون عن طرف من الغيوب ، كما حكى اللّه تعالى عن الخضر في قوله :
فَوَجَدا
[ 218 آ ]
عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
( 18 : 65 ) . فهو بعلم اللّه يعلم ، وبحكمه يحكم ، وبرحمته يشفق على الخلق . قلوبهم تتلقّف الفوائد من الحقّ وقتا بعد وقت وحالا بعد حال ، ويبدىء منها ما فيه نجاة الخلق على حدّ الإذن في ذلك ، ويخفى عنهم ما يخصّ هو فيه رحمة عليهم وشفقة لئلّا يفتتن به أحد . كذلك حكي عن الجريري رضي اللّه عنه ، « 2 » أنّه قال لأصحابه : « هل فيكم أحد إذا أراد اللّه أن يبدىء حكما في عباده أن يعرفه قبل أن يبدئه ؟ » فقالوا : « لا » . فقال : « ابكوا على قلوب بعدت عن اللّه » . « 3 » ومن صفة من يكون هذا حاله ألّا يكون مفتونا لا يفتتن به الخلق ، بل يهتدي به ويتهذّب بشمائله ، ويتأدّب بمشاهدته ، فإنّه جعل رحمة للخلق ، لا فتنة ، وهم الّذين قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « بهم يمطرون ، بهم يرحمون ، بهم يرفع اللّه البلايا » . « 4 » فربّما يظهره اللّه للخلق للاقتداء ،
هامش
( 1 ) . سبق تخريج هذا الحديث في الفصل التاسع . ( 2 ) . هو أبو محمّد أحمد بن محمّد بن الحسين الجريري ( ت 311 ) . كان من كبار أصحاب الجنيد وصحب أيضا سهل بن عبد اللّه التستري . وهو من علماء مشايخ القوم . أقعد بعد الجنيد في مجلسه لتمام حاله وصحّة علمه . انظر طبقات الصوفيّة 259 - 264 . ( 3 ) . روى السلمي هذه القصة في كتابه « مسألة درجات الصادقين في التصوّف » ، الفقرة 12 . ( 4 ) . الطبراني في الكبير ، باب الظاء ، عن عوف بن مالك الأشجعي ، بلفظ : « قال : يا أهل مصر ، أنا عوف بن مالك . لا تسبّوا أهل الشام فإنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، يقول : فيهم الأبدال وبهم تنصرون وبهم ترزقون » . وذكر السّيوطي في اللآلىء المصنوعة ، كتاب الأدب والزهد ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، مرفوعا :