فهذا عبد اصطفاه اللّه واختاره ، فهو عنده في محلّ القربة ، وأنشدت في معناه « الهمم » : « 1 »
وقائلة لم علتك الهموم * فإنّ الهموم بقدر الهمم
فصل ( 41 )
من صحّح استراح ، وبلغ إلى محلّ الرّوح والرّاحة ، وإن قلّت معاملته ومجاهدته ، لأنّ صحّة البدايات من أعلام القلوب . « 2 » ألا ترى السّحرة لمّا صحّت بدايتهم كيف هان عليهم ما هدّدوا من قول فرعون :
فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ
( 20 : 71 ) كيف أجابوا وقالوا :
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا
( 20 : 72 ) . إنّما الّذي تهدّدوا به لحظة وقد ظهر لنا من نور الهدى وصحّة الطّريق ما هوّن علينا في جنب كلّ وارد . ولمّا لم يصحّ لإبليس بدايته ردّه إلى ما سبق عليه من الشّهرة ، « 3 » فقال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
( 38 : 76 ) ، أثّر صحّة بدايته في نهايته .
وتصحيح ؟ ؟ ؟ البدايات بالتّأدّب بالمشايخ والسّادات ، [ 217 ب ] والاحترام لهم ومجالسة الفقراء وتعظيمهم ومعرفة حرماتهم . وقد يبلغ ببعضهم إلى محلّ التّصحيح من غير سبب ، وذلك أعزّ لكنّه في محلّ الأئمّة « 4 » لأنّه لم يعرف فساد الطّريق ومهالكها ، ولا يعرف كيف الخلاص منها يكون هو بنفسه ولا يكون لغيره . ومن سلك الأحوال والمقامات وعرفها وصحّح كلّ مقام وحال بالعلم والأدب والصّدق ثمّ انتقل منها إلى المقام الآخر كان أعرف بالطّريق وأولى أن يكون إماما . والّذي يفسد على السّالك سلوكه شيئان : اتّباع الرّخص بالتّأويلات ، والاقتداء بأهل الغلط من متّبعي الشّبهات فليحذر من هاتين الخصلتين فإنّهما من المهلكات .
هامش
( 1 ) . هكذا في المخطوط .
( 2 ) . كلام السلمي هنا يشبه ما يقوله في « مسألة درجات الصادقين في التصوّف » ، الفقرة 13 ، عن مقامات العارفين : « و ( هذا ) أوان وجود الرّوح في السّرّ ، والرّيحان في القلب ، والنّور في السّرّ ، والضّياء في الصّدر . قال اللّه تعالى :فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ( : 89 - 88 ) . فالرّوح ترويح أسرارهم من الأكوان بالاتّصال بمكوّنها ، والرّيحان استرواح قلوبهم إلى الحقّ في الابتداء والانتهاء ، وجنّة نعيم هو تنعّمهم في جوار سيّدهم ومشاهدته ، وفراغهم عمّا شغل أهل الجنّة من قوله :إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ( :
55 ) » .
( 3 ) . بياض في الأصل من أثر الأرضة . ومن الممكن أيضا : الشهوة .
( 4 ) . هكذا في الأصل .