تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
العلم في سلوكه وقصده ، ولا يتّبع الرّخص ولا التّأويلات ، ويقوم على حدّ الورع لا غير . فإذا كان كذلك يرجى له صحّة البداية وتمام النّهاية ، فإنّ الجنيد لمّا سئل : « ما النّهاية ؟ » قال : « الرّجوع إلى البداية » . وتصحيح النّهايات وتمامها تصحيح البدايات .

فصل ( 39 )

إذا علم اللّه من عبد من عبيده صحّة الطّلب لمرضاته والرّغبة فيما عنده سهّل عليه السّير في مقصده وذلّل له الصّعب في مطلبه وقرّب عليه طريق ميسر « 1 » له . قال اللّه تعالى :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
( 54 : 17 ) . روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنّه قال : « هل من طالب علم فيعان عليه » . « 2 » وطالب الحقّ معان « 3 » وقاصده محمول . وإنّما العوارض تقع لقلّة صدق الكاسب ، فمن كان صادقا في الطّلب - والصّادق في طلبه مستروح - أزيل عنه التّعب وسير في ميدان [ 216 آ ] الرّاحة إلى أن يبلغ إلى منتهى ؟ ؟ ؟ وقصده . وإذا صحّ منه الطّلب وصل في أوّل قدم فليس ثمّ بعد ولا مسافة . قال اللّه تعالى :
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
( 2 : 186 ) . وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حاكيا عن ربّه جلّ وعلا : « إذا تقرّب العبد منّي شبرا تقرّبت منه ذراعا ، وإذا تقرّب منّي ذراعا تقرّبت منه باعا ، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة » . « 4 » فأوّل ما ينكشف له عن الوصول أن يرشّ على قلبه ماء الحياة فيحيا بذكر اللّه ومحبّته والشّوق إليه والأنس به ، ثمّ يخلع عليه خلع الهيبة فيكون ذليلا في نفسه مهيبا في أعين الخلق ويفتح له عينا من مكنون علم الأسرار ما يكون به مؤدّبا لكلّ مريد ، وهاديا لكلّ طالب ، ومرشدا لكلّ عارف ، ومعينا لكلّ موحّد ، وذلك لصحّة بدايته واستقامته في حال سلوكه . ثمّ يبلغ مقام الخواصّ من الأولياء فتكون إذ ذاك بدايته نهايته ، ونهايته بدايته ، بل تسقط عنه البداية والنّهاية لأنّه قد حصل في محلّ سقط به عنه مرسوم الأحوال والعادات ، وفني عن وقته وحاله وبدايته ونهايته في علمه وحاله ومشاهدته محوّل الأحوال والحصول في حضرته .
هامش
( 1 ) . بياض في الأصل ، وما أثبته قريب إلى السياق ، واللّه أعلم . ( 2 ) . البخاري ، كتاب التوحيد ، الحديث رقم 4666 . وهذه الرواية ذكره أبو نعيم الإصبهاني عن مطر الورّاق في حلية الأولياء ، تحقيق عبد القادر عطا ، بيروت : دار الكتب العلمية 1997 ، 3 / 90 . ( 3 ) . بياض في الأصل من أثر الأرضة . ( 4 ) . متّفق عليه .