تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧

فصل ( 40 )

الهمم تظهر قيم العبيد فمن كانت همّته الدّنيا فشغله بجمعها ومنعها والتّعب فيها والاستكثار منها إمّا لعمارة خراب غيره ، أو لسرور بعل [ 216 ب ] زوجته ، وطلب الرّياسة والذّكر فيها والاستعلاء على أبناء جنسه ، والدّنيا هي ما ذكره اللّه تعالى في كتابه فقال :
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ
( 57 : 20 ) . وقال يحيى بن معاذ : « الدّنيا كلّها لا تساوي غمّ ساعة فكيف بغم عمرك فيها مع قليل نصيبك منها » . وقال اللّه تعالى :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
( 18 : 7 ) . قيل فيه :
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
تركا وإعراضا عنها ؟ فهذه صفة الدّنيا ، فالعاقل من يتركها ، فإنّها لم تكن ولا تكون ، فيعدّها السّاعة كأنّها ليس ، « 1 » لأنّ الجنيد رضي اللّه عنه قال : « من كان بين طرفي فناء فهو فان » . لذلك قال بعض الحكماء : « سمّيت الدّنيا دنيا لأنّها دنيّة وأدون منها من يطلبها ويركن إليها » . وأنشد :
الدّنيا دنيّة دارهم وبليّة * ويح نفس ألفتها أنّها نفس شقيّة
ومن كانت همّته الآخرة فشغله في العبادات والرّعايات واتّباع الأوامر واجتناب النّواهي ومراعاة أوقاته . قال اللّه تعالى :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
( 17 : 19 ) أي : مقبولا منه ما يعانيه في طلب الآخرة وموصله إلى ما يطلبه من النّعيم المقيم والدّرجات . [ 217 آ ] ومن كانت همّته مولاه ، فقد علا عن هذه المراتب وصار في ميدان الحقّ وحصل في محلّ الحضرة ، ليس لخلق « 2 » إليه سبيل لأنّه فني عن صفته وأحواله وتحلّى بما وصفه به الحقّ من الحلية الّتي تصلح لتلك الحضرة من التّمكين والمطالعة ، وفتح له طريق الانبساط والمواصلة ، وأطلع على خزائن من خزائن اللّطيف ، فهو مترسّم مع الخلق في ظواهرهم بائن عنهم في حقائقه ، لاستغراقه في مقام الوصلة والدّنوّ . قال اللّه عزّ وجلّ :
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ
( 38 : 46 - 47 ) . فمن كان عبد الحقّ سقطت عنه الأوصاف والأخبار
هامش
( 1 ) . هكذا في الأصل . ( 2 ) . هكذا في الأصل .
مجموعة آثار السلمي — صفحة 207 | أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي