الدّين » . فإذا كان الطّبيب يجرّ الدّاء على نفسه فمتى يبرأ غيره ؟
فإذا وفّق اللّه لعالم من العلماء الإقبال على اللّه وعلى أوامره ، والإعراض عن الدّنيا وما فيها ومن فيها ، فأوّل ما يلزمه أن يعرف نعم اللّه عليه في ذلك ويقوم بواجب الشّكر ، ويزيد تواضعا واجتهادا ، ويعلم أنّه محمول على ذلك وأنّ ذلك بتوفيق من اللّه لا بمجاهدة منه ، فإنّ مجاهدته أيضا ومعرفته لنعم من اللّه عليه بزيادة توفيق . فإذا كان العالم بهذا المحلّ من الدّين كان إماما مقتدى به في أحكام الظّاهر وأحوال الباطن ، يهدي بنوره كلّ من صحبه ويستضيء بعلمه كلّ من اتّبعه ، ويكون حجّة اللّه على عباده وبركة في بلاده . ومن قاده علمه إلى طلب الدّنيا وطلب العلوّ فيها وطلب الرّياسة واستتباع الخلق فهو العلم الّذي هو غير نافع ، وهو العالم المفتن « 1 » ولا حسرة أعظم من أن يهلك العالم بما يرجو به نجاته ، ونعوذ باللّه من الخذلان .
فصل ( 38 )
لا تتمّ نهاية إلّا بصحّة بداية ، ولا تصحّ بداية إلّا بتمام نهاية . ومراعاة البدايات من أخلاق الأولياء وسلوك الأبطال ، فإنّ [ 215 ب ] من صحّت بدايته كملت نهايته . وتصحيح البداية اتّباع الكتاب والسّنّة « 2 » والأخذ من إمام ناصح يعرف طريق الوصول إلى الحقّ بالسّلوك لا بالخبر ، والقبول منه ما يشير به عليه ، عرف في ذلك مقصده أو لم يعرف . فإذا عرف الطّريق بدليل النّاصح دخل فيه على سبيل الاستقامة وسياسة النّفس ببرهان العلم والرّجوع إلى دليله عند كلّ وارد موهم ، فإنّ من زلّ عن طريق الحقّ وقع في طريق الباطل . قال اللّه تعالى :
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ
( 10 : 32 ) . ولا يخالف ظاهر
هامش
من قرية يقال لها : فندين . وقيل : ولد بسمرقند . مات في المحرّم سنة سبع وثمانين ومئة . طبقات الصوفية 6 - 14 .
وهو أوّل من ذكره السلمي في طبقات الصوفية نظرا لجلالة شأنه .
( 1 ) . هذه الكلمة غير واضحة في الأصل من أثر الأرضة .
( 2 ) . ذكر السلمي مثل هذا الكلام في كتابه « مسألة درجات الصّادقين في التصوّف » ، الفقرة 18 ، فقال : « ولا يصحّ الانتهاء في المقامات إلّا بصحّة الابتداء ، فمن لم يصحّ ابتداء سلوكه على الكتاب والسّنّة لا يبلغه الانتهاء إلى شيء من المعارف ، وإذا صحّ له ابتداؤه صحّ له انتهاؤه ، وإذا صحّ له الانتهاء ردّ من مقام الإقبال على اللّه إلى إقبال اللّه عليه ، ومن مقام التّقرّب إلى اللّه إلى مقام قرب اللّه منه ، ومن مقام الاختيار لنفسه إلى مقام اختيار اللّه له » .