تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
العقل وجعلك من المخاطبين ووفّقك لمعرفته وألهمك شكر نعمه وسوّى تركيبك وخلقك وحسّن خلقك إلى ما لا يحصى من فنون النّعم . قال اللّه تعالى :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
( 14 : 34 : 16 : 81 ) ، وقال تعالى :
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً
( 31 : 20 ) . ثمّ شرّفك مع هذا كلّه بخطابه وأكرمك بأن جعلك من أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وخاطبك ببشارته « 1 » بقوله عزّ وجلّ :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ
( 5 : 8 ) . ما في هذه الآية أنّه أثنى عليك بالإيمان ودعاك بأعلى الأسماء وأجلّها ثمّ أمرك أن تكون قائما بأوامره ومشاهدا لموارد [ 214 آ ] قضائه ، ثمّ أمرك بالقسط وهو استعمال العدل فيما بينك وبينه وهو ألّا تفتر عن شكر من لا يفتر عن برّك وأن تكون له صدقا ليكون لك حقّا واستعمال العدل فيما بينك وبين عباده ألّا تظلمهم ولا تهينهم ولا تحقّرهم ولا تتكبّر عليهم ، بل تعاشرهم على حدود الأخوّة والشّفقة . قال اللّه تعالى :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
( 49 : 10 ) . وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا » . « 2 »

فصل ( 36 )

لا أحد أعظم حسرة من عالم رزق العلم وحرم العمل به والقيام بمواجبه . وأعظم حسرة منه من رزق العلم وحرم الإخلاص . والعلم إذا أنفع دلّ على العمل ، والعمل إذا تحقّق دلّ على الإخلاص . ومن علامة الإخلاص في العمل ألّا يشاهد العامل عمله ويشهد منّة من وفّقه لذلك ، ولا يطلب به عوضا من الدّارين ولا يترفّع بعمله ويتكبّر ، ولا يطلب به رياسة وترفّعا فيما بين الخلق ، ولا يستتبع به العوام ولا يستبعدهم ، فإنّ المقبول من العمل مرفوع لا يشاهده صاحبه ، ولا يطلب به شيئا . وإذا صحّ له إخلاصه أورثه ذلك الصّدق في معاملاته فيسقط عنه رؤية الخلق ويستوي عندهم مشاهدتهم لفضله وغيبتهم عنه لكونه في محلّ الصّدق ، لأنّ الصّدق يزيل عن العبيد رعونات الطّبع . وإذا صحّ له مقام الصّدق دخل في حدود مقامات صحّة الولاية ، فمرتبة الولاية لا تخلو من الصّدق ، وكلّ فعل
هامش
( 1 ) . في الأصل : بسبارته . ( 2 ) . حديث مشهور ، وفي رواية عن الترمذي ، أبواب البرّ والصلة ، الحديث رقم 1984 ، بلفظ : « ليس منّا من لم يوقّر كبيرنا ويرحم صغيرنا ومن لم يعرف لعالمنا حقّه » ؛ وفي كشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني ، القاهرة : مؤسّسة الرسالة 1988 ، 2 / 225 ؛ والحاكم في المستدرك ، كتاب الإيمان ؛ والطبراني في الكبير ، باب الضاد ، ضميرة بن أبي ضميرة مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم .
مجموعة آثار السلمي — صفحة 203 | أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي