تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
العبوديّة معرفة قدر النّفس وكمون شرّها ومتابعة الحقّ سرّا وجهرا وباطنا وظاهرا ، فإنّ من اتّبع الحقّ قاده الحقّ إلى الحقّ ، ومن اتّبع هواه ومراده وقع في بحر الضّلال . [ 213 آ ] قال اللّه تعالى :
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ
( 28 : 50 ) . وقال جلّ وعلا :
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ
( 10 : 35 ) . فإذا خالف العبد هواه ونفسه سهّل اللّه عليه طريق الحقّ ومتابعته وأتته مواهب من الحقّ على قدر ذلك . أوّل تلك المواهب أن يشرح صدره بالإيمان ويزيّن ظاهره بالقيام إلى أوامره على حدود السّنّة ويرزقه الاستقامة في جميع حركاته وسكونه ، وهذا من أوائل مقامات الصّدق .

فصل ( 34 )

الأكياس من العارفين لم يفارقوا مقاما من المقامات إلّا بعد تصحيحه والثّبات فيه ، فإن صحّ له مقام من المقامات بآدابها وشروطها ومواجيبها ظاهرا وباطنا سهّل عليه سلوك المقامات بعده . فإنّ التّوبة من أوائل المقامات ومباديها والمحبّة من نهايات المقامات ، فإذا صحّح العبد مقام التّوبة يبدو عليه نور من أنوار مقام المحبّة ، فإنّ اللّه تعالى يقول :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
( 2 : 222 ) . فإذا صحّت بدايته تصحّ له المقامات حالا فحالا إلى منتهى حاله في نهايته ، وتمرّ به الأحوال ويسلك هو المقامات من غير تعب ولا نصب فيكون متروّحا فيه . لذلك قال بعض المشايخ : « صحّح واسترح » ، فالتّعب في المقامات والمجاهدة فيها والبعد عن المطلوب كلّها من فساد الابتداء ، [ 213 ب ] فمن صحّت مباديه تصحّ نهايته ، ومن استقام في سلوك وصل إلى مطلوبه ، ومن تدنّس في أوائل فسد عليه المبدأ والمنتهى ودخل في مقامات الاغترار . قال اللّه تعالى ذكره :
أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ
( 9 : 109 ) .

فصل ( 35 )

إذا اتّصلت النّعم عليك فطالب نفسك بالقيام بشكرها طلبا للزّيادة ، فإنّ من غفل عن شكر النّعمة ، بل عن شكر المنعم ، فقد عرض تلك النّعمة للزّوال . وأدنى الشّكر ما قال بعض المشايخ : « ألّا تعصي اللّه بنعمه » ، وتعلم أنّ نفسك وجميع جوارحك وحواسّك نعم من اللّه عليك ، فلا تعص بشيء منها ربّك ، وتشكر اللّه حيث خلقك وسوّاك وركّب فيك