سيّده وشكره له يوجب عليه شكرا ، فإذا رأى شكره توهّم أنّ له قوّة المقابلة لنعمه ، وإذا رأى التّوفيق في الشّكر رأى عجزه عن بلوغ شيء من مقامات الشّكر . وكيف يكون شكره مقابلا لنعمه ونعمه متّصلة في كلّ نفس ؟ وهي في البلاء أكثر منه عليه في العوافي . وشكره لا يخلو عن العلل ، وعطاياه ونعمه بعيدتان عن العلل . وأين يقابل معلولا غير معلول ؟
والشّكر حظّ النّفس لأنّه طلب الزّيادة . وقال اللّه تعالى :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
( 14 : 7 ) وقال :
وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ
( 31 : 12 ) . ولذلك قيل : « إنّ رتبة الحمد أجلّ وأعلى من رتبة الشّكر » ، لأنّ الحمد ثناء ودعاء . قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « أفضل الدّعاء الحمد » . « 1 » واللّه تعالى حمد نفسه بنفسه في أزله فقال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
( 1 :
2 ) . والشّكر طلب الزّيادة ومحلّ الطّمع ، والحمد يقتضي الدّعاء والشّكر جميعا والشّكر لا يقتضي الحمد . واللّه أعلم .
فصل ( 33 )
من أراد أن يعظّم قدر اللّه في قلبه فليسقط [ 212 ب ] قدر نفسه ، فلا حجاب أحجب للعارف من النّفس وظلماتها ورؤية شيء منها ومن أفعالها وأحوالها . فإنّ العبد بمقدار ما يشاهد نفسه يحجب عن طريق الحقيقة ، وقديما قال المشايخ : « إنّ النّفس لا تألف الحقّ أبدا » وكيف تألف الأضداد ، وجبلت النّفس بتركيب الهوى والشّهوة ، والحقّ يدلّه على خلاف هذه الأحوال كلّها . قال اللّه تعالى ذكره :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ
( 9 : 111 ) . قيل : اشتراها منهم لعلمه بما فيها من أنواع البلايا والفتن والمحن ، فأراد أن يسقط عن العبيد شرورها ، فإنّ الإنسان لا يخاصم عمّا لغيره ، والنّفس والمال هما داخلان تحت البيع ، فإذا ادّعى الإنسان لنفسه حالا أو ملكا بطل دعواه لأنّه يدّعي ما ليس له ، وإذا أسلم النّفس والمال إلى المشتري تسلّم اللّه تعالى ذلك منه ، وكفاه شرّهما إذ لا كافي سواه . ومن أعرض عن نفسه وترك الإقبال عليها وأعرض عن الدّنيا وعروضها مكّنه اللّه من قياد نفسه وزهده في الدّنيا . وإذا أسلم العبد من مكايد نفسه ومن إرادة الدّنيا وعروضها يعظّم إذ رأى معرفة اللّه في قلبه فانقطع بالكلّيّة إليه ويثق به ويعتمد عليه فإنّ أوّل قدم في
هامش
( 1 ) . الترمذي ، أبواب الدعوات ، الحديث رقم 3443 ؛ ابن ماجة ، كتاب الأدب ، الحديث رقم 3800 ؛ الحاكم في المستدرك ، كتاب الدعاء ، الحديث رقم 1852 .