مننه وعطاياه « 1 » بعيدة عن العلل ، وأفعال العباد مشوبة بالعلل ، وأين « 2 » يقابل شكر بالنّعمة ؟
فمن قدر على الشّكر بنعمة منعم فقد ساواه ، « 3 » وجلّ الحقّ أن يبلغ أحد بجهده إلى شكر أصغر نعمة من نعمه ، وإن كان نعمه أصغرها عظيمة عند أربابها . « 4 »
فصل ( 30 )
يجوز للمتوكّل الادّخار إذا لم يدّخره لنفسه ، وكان من أهل التّمييز والإشراف فيدّخر بنيّة أن ينتظر بها محتاجا إليها أو مستحقّا لها فيخرجها إليه ، ويرى نفسه فيه خازنا وقاسما ، كما قال [ 210 ب ] النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه يعطي وأنا قاسم » « 5 » فيخرجه إلى المحتاجين الأتقياء منهم لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ولا يأكل طعامك إلّا تقي » « 6 » أو يرى مضطرّا فيخرج إليه ممّا في يده . وروي عن عائشة رضي اللّه عنها ، أنّها قالت : « إنّ أسماء خير منّي ، هي لا ترفع شيئا لغد ، وأنا أجمع الشّيء إلى شيء » ، « 7 » وحال عائشة رضي اللّه عنها كانت أرفع من حالها ، وإن كانت أخبرت عن حالها ونفسها بالنّقص لأنّ أسماء رضي اللّه عنها رأت في الادّخار نقصا ، وأنّه « 8 » لم يكن لها من الشّفقة على الخلق والنّظر لهم والفراسة فيهم ما لعائشة ، فنظرت أسماء لنفسها وآثرت حظّها في ترك الادّخار ، وعائشة آثرت حظوظ الخلق على حظّها فادّخرت شفقة على الخلق وتعطّفا عليهم لترى محتاجا فتسدّ حاجته أو مضطرا فتعينه ، فعائشة أتمّ حالا فيما أخبرت عن نفسها من جمع الشّيء إلى الشّيء من أسماء في الإنفاق وترك الادّخار . ألا ترى أنّها لما أمنت حاجة النّاس كيف فرقت في مجلس واحد سبعين ألف درهم ، فقالت لها خادمتها : « ولو أمسكت لنا درهمين تشترى بهما لحما » ، فقالت : « ذكر تنيه ما كنت أبالي أمسكه اليوم « 9 » » . « 10 » فحالها في
هامش
( 1 ) . في الأصل : عطاؤه .
( 2 ) . بياض في الأصل من أثر الأرضة ، وما أثبته من السياق .
( 3 ) . هكذا في الأصل .
( 4 ) . هكذا في الأصل .
( 5 ) . مسلم ، كتاب الزكاة ، الحديث رقم 1037 .
( 6 ) . الترمذي ، كتاب الزهر ، الحديث رقم 2506 ؛ أبو داود ، كتاب الأدب ، الحديث رقم 4832 ؛ مسند الإمام أحمد ، في مسند أبي سعيد الخدري .
( 7 ) . لم أجد هذا الخبر في المراجع الّتي لدي .
( 8 ) . في المخطوط : أن أنّه .
( 9 ) . بياض في الأصل من أثر الأرضة .
( 10 ) . لم أجد هذا الخبر في المراجع الّتي لدي .