وسلّم حاكيا عن ربّه تعالى أنّه قال : « ما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه » . « 1 » فإذا رأيت العبد لا يهتمّ للفرائض ولا يقوم بإتمامها ولا ينشط للقيام إليها فاعلم أنّه بعيد عن مقام القرب ، فإنّ تقرّب العبد إلى ربّه باتّباع أوامره والمحافظة عليها ، ثمّ يطلب في زيادة الاجتهاد والمجاهدة والمواظبة على النّوافل طريق المحبّة ، فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال حاكيا عن ربّه تعالى : « ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه » . « 2 » فإذا حصل في مقام المحبّة أخبر النّبيّ عليه السّلام عن خصائص خلع اللّه عليه ، فقال حاكيا عن ربّه تعالى :
« فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ، فلا يسمع إلّا منّي ولا يبصر إلّا منّي » . « 3 » وإذا أظهرت عليه هذه الخلعة يكرم عندها بإجابة دعواته . قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حاكيا عن ربّه تعالى : « فإذا دعاني أجبته ، وإذا سألني أعطيته » . « 4 » فدعاءه في هذه الحال يكون ذكر اللّه وشكره وحمده وثناء عليه ، فيعطى هو بالذّكر والحمد والشّكر فوق ما يعطى السّائل ، وذلك قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حاكيا عن ربّه تعالى ذكره : « من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائلين » . « 5 » سؤاله في هذه الحال زيادة قربة ومحبّة وشوق إلى ربّه وأنس به كما كان النّبيّ [ 208 ب ] صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو ويقول : « أسألك الشّوق إلى لقائك » . « 6 »
فصل ( 25 )
عمّال اللّه على درجات . منهم من عمل على خلاص نفسه ونجاتها وبلوغها إلى مرادها من الجنّة والنّجاة من النّار وهذا غاية همّته ، فهو عامل نفسه . وعبد عمل رجاء ثواب اللّه وعد اللّه عمله ، « 7 » فهذا عبد طمع . وعبد عمل اتّباعا للأمر فهذا عبد مطيع . وعبد عمل على رؤية استحقاق سيّده للتّعبّد والعبادة والخدمة فهو عبد مخلص . وعبد عمل وفني
هامش
( 1 ) . البخاري ، كتاب الرقاق ، الحديث رقم 6137 .
( 2 ) . نفس التخريج .
( 3 ) . نفس التخريج إلّا أنّه بدون لفظ « فلا يسمع إلّا منّي ولا يبصر إلّا منّي » .
( 4 ) . نفس التخريج .
( 5 ) . أبو نعيم في الحلية ، الحديث رقم 10870 ؛ والديلمي في الفردوس ، عن حذيفة ، الحديث رقم 4447 .
( 6 ) . مسند الإمام أحمد ، مسند الأنصار رضي اللّه عنهم ، حديث أبي بن كعب ؛ والمعجم الكبير للطبراني ، باب العين في حديث عبد اللّه بن مسعود الهذلي ؛ والمستدرك للحاكم ، كتاب الدعاء ، الحديث رقم 1900 ؛ وأبو يعلى في مسنده ، الحديث رقم 1624 .
( 7 ) . هكذا في الأصل .