وهذا كلّه [ 209 ب ] إذا كان العبد طالبا ومحبّا ، فإذا صار مطلوبا ومحبوبا سقطت عنه هذه البلايا وتنعّم بالمحبّة إذا تيقّن من محبّة محبوبه له صحّة « 1 » طلبه إيّاه ، فيقع له في هذا المقام وهذه الحال بليّة هي فوق البلايا الّتي تقدّمت وهي صحبة الحقّ على طريق الاستقامة ، وحسن الأدب على بساط الحضرة ، وهذا من أشدّ المقامات وأصعبها ، وهو ما قال اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
( 11 : 112 ) وهو القيام مع اللّه بحسن الأدب ، ولم يستقم أحد على هذه الحالة إلّا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا رفع إلى الملكوت وشاهد فيها ما شاهد غمص بصره عن الكلّ لما علم ما هو مراد به ، فأخبر اللّه عنه بقوله :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
( 53 : 17 ) لمّا علم مقصده استقلّ الحوادث كلّها في جنب ما هو مراد به فأثنى اللّه عليه بقوله :
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
( 68 : 4 ) حيث لم يشغلك ما لنا عنّا . وهذه حالة خصّ هو بها صلّى اللّه عليه وسلّم دون سائر الخلق .
فصل ( 28 )
ادّعى الخلق التّوكّل وتعبوا فيه وأتعبوا أبدانهم في رياضته ، وقطعوا القفار ، وركبوا الأهوال ومخالفة النّفوس إلى أن وصلوا إلى طرف من التّوكّل . وأهل المعرفة نظروا إلى كفاية الحقّ لهم ، وحسن ضمانه وصدقوا وعده وعلموا أنّه كفاهم وآواهم فاستروحوا وتنعّموا فيه ، فأهل التّوكّل في تعب ونصب ، [ 210 آ ] وأهل الكفاية في روح واسترواح ، لأنّ الحقّ سبحانه لم يرض لهم الشّغل بشيء سواه ، ولا الوقوف مع حال ، وجعل شغلهم به ووقوفهم معه ، فلذلك حملهم على مدارج الكفاية دون رياضة التّوكّل . فقبيح بأهل المعرفة بعد ما أهّلهم اللّه لمعرفته وقربه اقتضاء حقّ أو السّكون مع حال بعد صدقهم ومعرفتهم ومحبّتهم ، فالمتوكّل واقف مع نفسه ، وصاحب الكفاية قائم بربّه وحسن كفايته وتولّيه وهذا حال غريب .
فصل ( 29 )
من استولت عليه رؤية نعم اللّه تعالى وإفضاله استصغر عند ذلك طاعاته وموافقاته لعلمه أنّه بتوفيقه عبده « 2 » فأوجب على نفسه القيام بشكر ما وفّقه له وشغله القيام بالشّكر عن النّظر إلى شيء من أفعاله وأحواله لعلمه بتواتر النّعم عليه وقصور شكره ، لأنّ
هامش
( 1 ) . بياض في الأصل من أثر الأرضة .
( 2 ) . في الأصل : وعبده .