تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
في مشاهدة الأمر عن محلّ الأمر ورؤيته والقيام به فهو مترسّم بالأمر لكنّه لا يشاهد في حركاته وسكناته غير الأمر فهو عبد حقّا . وعبد عمل للّه باللّه فهو لا يجد لنفسه صفة ولا حالا ، ويكون حركاته وسكونه بالحقّ وإلى الحقّ ، فمن سأله عنه أخبر عن الحقّ لعلمه ببقاء الحقّ ، وبقاء الكلّ به وفناء الكلّ دونه ، فأخبر عمّن لم يزل ولا يزال ، ويترك الإخبار عمّن لم يكن فكان ، وهذا عبد حصل مع الحقّ في عين الجمع .

فصل ( 26 )

أكثر الخلق مع اللّه في أحوالهم وإراداتهم على الظّنون ، ما تحقّق منهم له إلّا قليل . ألا تراه يقول :
وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا
( 10 : 36 ) . فمن تحقّق في حاله مع اللّه غاب عن كلّ ما منه ، وله من الأحوال والأفعال نظر إلى ما إليه من رعاية الحقّ وحياطته وتوليته وكان للحقّ من حيث الحقّ له لا من حيث هو للحقّ لكنّ أكثر العبيد يشيرون إليه بالمعرفة [ 209 آ ] ويظهرون حالة المحبّة ، فإذا ورد عليهم وارد بلاء أو خلاف مراد رجعت نفوسهم إلى حدّ الإشفاق عليها والاهتمام ونسوا ما ادّعوا به وما أشاروا إليه . ولو كانوا للحقّ من حيث الاستحقاق لنسوا في جنب ما أشاروا إليه جميع الموارد ساء أم سرّ ، لأنّ من حصل في ميدان الوصول لا يعترض عليه عارضة خلاف وأذهله حاله عمّا سواه .

فصل ( 27 )

من ادّعى المحبّة ومكن منها ودخل في أوائلها فهو في بلاء عظيم ووجد شديد ؛ لأنّه ادّعى فيما لا دعوى لأحد فيه ، وسلك مقصدا لا يبلغه ، لأنّه لا يصل إلى مأموله من قرب محبوبه ولا يمكّن من الرّجوع إلى ما كان عليه قبل دعواه ، فيكون باقيا فانيا وموجودا مستهلكا ، فلا يستروح ظاهرا ولا يأنس باطنا ، فيحترق بالهجران والأسف والبعد عن مقصوده في الظّاهر ، وبالخوف والانزعاج والشّوق في الباطن لأنه قاصد موجود لا يخفى ، ومفقود لا يدرك ، ولذلك أبدى من أسمائه « الظّاهر » فأطمع ورغّب بهذا الاسم فيه الكلّ ، ثمّ أتبع هذا الاسم باسمه « الباطن » قطع به قطع الطّامعين في « 1 » الوصول إليه بشيء من الأسباب ، فقد أطمع فيما يوؤس « 2 » من إدراكه وأيس من مطموع في الوصول إليه فالخلق من المحبّة في حيرة لا يصلون منه إلى المراد ولا يمكّنون من الفتور عن دوام القصد والطلب .
هامش
( 1 ) . بياض في الأصل من أثر الأرضة . ( 2 ) . في الأصل : يوس .
مجموعة آثار السلمي — صفحة 196 | أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي