تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
على العبد بعد ما وفّق لصحّة المعرفة باللّه أن يعمّر باطنه بدوام الخوف والرّجاء والهيبة والإشفاق والصّبر والرّضا واليقين والصّدق والمحبّة والشّوق ، وأن يسأل اللّه عزّ وجلّ لقلبه نور الإيمان وسراج التّوحيد ليبصر به الموارد والمصادر ، ويفرق به بين الإلهام والوساوس ، وأن يراعي ظاهره بدوام المراقبة واتّباع الموافقة واجتناب المخالفة ، وأكل الحلال وذمّ الجوارح كلّها عن المذمومات . ثمّ بعد ذلك يسمع الذّكر أو السّماع فيجد به فيه وبه ومنه ، ويكون وجوده إذ ذاك وجود حقيقة لأنّه إذا ورد الذّكر والسّماع على سرّه يجده عاملا « 1 » بالأحوال ، وإذا ورد على ظاهره صادفه مزيّنا بالمعاملات والموافقات ، والموارد ترد عليه حسب ما يشاكله . فإذا كان سماعه باللّه كان وجوده من اللّه ، وإذا كان سماعه في صفات اللّه تعالى كان وجوده رعاية الحقّ لسرّه عن مشاهدة الأغيار ، وإذا كان سماعه من اللّه أفناه عن صفاته ، فلا تبقى له صفة ولا أثر ، وإذا كان سماعه بطبعه ووقته وحاله فمن بين مخطىء ومصيب على حسب أوقاته وأحواله وصفاته . والانزعاج في السّماع والحركة فيه مذموم إذا سمع باللّه وفي اللّه ومن اللّه لأنّه محلّ الهيبة والذّبول والخمود [ 207 آ ] والفناء . والانزعاج ربّما يكون محمودا إذا سمع بوقته وصفته وحاله لأنّه ربما ينكشف له عن أحوال سلفت منه وأوقات جرت منه فيذكر قصوره فيها وترك رعايته الأدب في مباشرتها « 2 » فيحمله على الانزعاج ، وهذا يختصّ به المريدون . وربّما يسمع العارف بحاله فيلوح له شيء من آثار الصّنع ومشاهدة الأحوال السّنيّة فيأنس بها في الوقت ، ثمّ يخفى عنه ويتستّر فيحمله ذلك على الحركة والانزعاج ، وربّما صادف واردا يرد عليه من جهة الحقّ فلا يطيق حمله فيزعجه ذلك وهو في كلّ هذا وأشباهه معذور . فإذا انزعج وتحرّك على العادة الّتي تعوّد نفسه فذلك انزعاج مذموم وهو من رعونات الطّبع ومتابعة النّفس ولعب الشّيطان بصاحبه . وهذه مسألة كبيرة جليلة ولها شرح كبير ، وهذا الفصل طرف منه . واللّه أعلم .

فصل ( 23 )

من أظهر معرفته وأخبر عنها وتكلّم فيها بحاله فهو غير متحقّق فيه ، وإنّما
هامش
( 1 ) . هكذا في الأصل . ( 2 ) . كلمة غير واضحة من أثر الأرضة .