وخصنّي بها .
فصل ( 19 )
المستغني باللّه يكون حرّا من الأكوان وما فيها ، عبدا لمن استغنى به ، لا يملك سواه ولا ينظر إلى شيء من الدّنيا ولا يفرح بها ولا يحزن على فوتها ، ويكون فرحه بالأنس بمن أغناه عن المكوّنات وفتح له طريق الاستغناء به والوصول إلى اللّه . لا يؤثر فيه فقرا ولا غنى ، ولا عدما ولا وجودا ولا سرورا ، ولا شيئا من أسباب الأكوان وما عليه الخلق من المرسومات لأنّه دخل في ميدان ينقطع به عن ما دونه . لذلك قيل : « من شهد البحر استقلّ الأودية » . والمستغني به محفوظ من جهته ، والمحفوظ به محفوظ حقيقة لا يجري عليه رسم الخلاف بحال ولا يملك من الالتفات إلى الأغيار ولا الأنس بهم والرّكون إليهم لأنّه له وبه .
ومن كان له فالأشياء كلّها خاضعة له ، ومن كان به استنار به كلّ شيء وألفه وأطاعته الحوادث والأكوان ويفهم عنه كلّ شيء ويفهم عن كلّ شيء إذ ذاك يرى الأكوان والمكوّنات بعين العدم ، فإنّها ما كانت ولا تدوم ، ومن كان بين طرفي فناء فهو فان فينظر إليها بعين الأصل ، وهو [ 205 ب ] العدم . ومن وجد الطّريق إلى من لم يزل ولا يزال سقط عن سرّه وقلبه ما لم يكن فكان ، فإنّ الحدث إذا قارن القديم لا يبقى له أثر . قال اللّه تعالى ذكره :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
( 55 : 26 - 27 ) .
فصل ( 20 )
من فهم عن اللّه أسرار مخاطباته وحقائق أوامره فهم عن كلّ شيء وفهم عنه كلّ شيء . وكيف يعجز عن فهم الحوادث من أهّل لفهم صفات القديم ، وأشرف على أسرار الخطاب من الكتاب ؟ قال اللّه تعالى :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
( 17 : 44 ) . وإنّما يفقه تسبيح الكلّ من فهم عن الحقّ معاني بواطن التّسبيح وسبّح اللّه بسرّه وباطنه وظاهره ، ونزّهه على ما لا يليق به إذ ذاك يفتح سمعه لسمع كلّ شيء والفهم عن كلّ شيء . قال اللّه تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً
( 72 : 26 - 27 ) . فالرّسل بعلوّ مقاماتهم يفهمون معانيه وطرفا من الغيب ، فيخبرون عنها بالإلهام والفراسات
هامش
« ولواء الحمد بيدي ولا فخر » .