تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
كلّ نفس وكلّ حال . ثمّ كذلك حالا بعد حال في كلّ [ 204 ب ] أوقاته وخطراته ، فكيف يقع له فهم ما خوطب به ؟ وكيف يرجى له قبول ما أمر به فهو يقيم على هذه الأحوال ؟ ثمّ مع هذا لا يستحيي أن يرفع بمثل هذا العمل رأسا ويرجو به ثوابا ، وهو إلى الاستغفار منه أحوج منه إلى الافتخار به .

فصل ( 18 )

متى يحيى سرّ المريد ؟ قيل : إذا ماتت عنه نفسه وسقطت عنه مراداته يحيى سرّه إذ ذاك بضياء الإيمان وضياء الإخلاص ، ومشاهدة ما يرى عليه سرّه ، وما يصدر عنه ، إذ ذاك يغلب السّرّ والقلب والرّوح والنّفس والهوى والشّيطان ، « 1 » وتكون كلمة اللّه هي العليا وجنده الأغلب . قال اللّه تعالى :
وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
( 37 : 173 ) . فإذا صفا السّرّ وصفا القلب أشرق الظّاهر فكان العبد إذ ذاك ذليلا في نفسه عزيزا عند الأولياء ، مهينا بين الخلق ، يجتهد في خدمة من يراه قائما بخدمة سيّده ، وذلك لشدّة تواضعه في نفسه فيصير عند ممارسة هذه الأحوال مقبولا عند اللّه فيقع له القبول في قلوب الخواصّ من الأولياء ويكون مكشوفا عند الخواصّ ، مستورا عند العوام ، فمتى ما كان أحدهم مع اللّه أعلى كان أشدّ تواضعا . ألا ترى أنّ اللّه تعالى لمّا خاطب نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بقوله :
لَعَمْرُكَ
( 15 : 72 ) ، وقوله :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
الآية ( 4 : 65 ) ، وقوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
الآية ( 48 : 2 ) ، كيف تواضع فقال : « إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد » . « 2 » وقال للرّجل [ 205 آ ] الّذي جيء به ترعد فرائصه : « 3 » « هوّن عليك فلست بملك ، إنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد » . « 4 » فتواضع بعد ما أكرم بما أكرم به . كلّ هذا التّواضع ، ولمّا أخبر عن فضل اللّه وما خصّه به من الخصائص فقال : « أنا سيّد ولد آدم ولواء الحمد بيدي ولا فخر » « 5 » أي لا فخر بهذه الرّتب ، إنّما الفخر بمن أكرمني بهذه الرّتب
هامش
( 1 ) . هكذا في الأصل : « يغلب السّرّ والقلب والرّوح والنّفس والهوى والشّيطان » . ( 2 ) . البيهقي في شعب الإيمان ، الحديث رقم 5975 ، بلفظ « آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد ، فإنّما أنا عبد » . ( 3 ) . من شدّة خوفه . ( 4 ) . سنن ابن ماجة ، كتاب الأطعمة ، الحديث رقم 3312 ؛ والحاكم في المستدرك ، كتاب المغازي والسير ، الحديث رقم 4366 . ( 5 ) . الترمذي ، كتاب المناقب ، الحديث رقم 3615 ؛ وفي مسلم ، كتاب الفضائل ، الحديث رقم 2278 ، بدون لفظ
مجموعة آثار السلمي — صفحة 190 | أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي