قَلِيلٌ
( 4 : 77 ) ولا أقلّ ممّن يستكثر ما قلّله اللّه ، ويعظّم ما صغّره اللّه ، وإنّما وصف الدّنيا وما فيها بالقلّة ليهون على عباده تركها والإعراض عنها .
فصل ( 16 )
من عرف نفسه لم يبغض ذامّها ؛ لعلمه بما جبلت عليه من أنواع المخالفات وسوء الأدب وقلّة موافقتها للحقّ وتمرّدها على خالقها ورازقها ووليّ نعمتها ظاهرا وباطنا ، ومن أبدأها وأوجدها من العدم ، وركب فيها العقل وجعلها في [ 203 آ ] محلّ المخاطبين والعارفين به مع ما أكرمهم به من أنواع الكرامات ، ثمّ مع هذا كلّه لا يراها تنقاد لطاعة طوعا ولا تقوم إلى أمر من أوامره بنشاط ولا مسرعا إلى قضاء حقّ من حقوقه ، وتكون حركته وسعيه ومسارعته إلى متابعة الشّهوات والمخالفات فيستقلّ العاقل لها كلّ ذمّ وملامة ، فإنّ من غفل عن جنايات نفسه استحسنها ، ومن استحسنها رضي عنها ، ومن رضي عن نفسه بما هو فيه فقد عمي عن طريق رشده وحرم متابعة الحقّ ، فلا ينهى نفسه في أوقات المخالفات ولا يحملها على طلب الزّيادة من المقامات والرّتب أوان الموافقات ، وهذا هو الخسران المبين ، ومن حرم هذه المنزلة أهمل نفسه وضيّع أوقاته ، فلا يحمل نفسه على الرّياضات الّتي هي آداب الظّواهر من السّهر والجوع وترك مألوفات الطّبع فتجري النّفس في ميدان الهوى والشّهوة من غير زجر ، فيضلّ عن سواء السّبيل . ومن منعها في أوّل قدم من ارتكاب المخالفة ومتابعة الهوى فإنّ اللّه يعينه عليها حتّى تنقاد له لأنّ اللّه تعالى أخبر عمّن اتّبع هواه بأن يختم على سمعه فلا يسمع داعي الحقّ وعلى قلبه فلا يشاهد موارده ، فقال عزّ وجلّ :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً
( 45 : 23 ) . ونحن نسأل اللّه تعالى أن يمكّننا من مخالفة شهواتنا وأهوائنا وأنفسنا ويعيننا على متابعة الحقّ برحمته . [ 203 ب ] فإذا كانت هذه صفة النّفس ، فالعاقل لا يبغض ذامّها لأنّها مذمومة مخالفة للحقّ ومتابعة للباطل إلى أن يمكّن اللّه عبدا من عبيده من قهرها وتذليلها ، ثمّ إذا لانت وانقادت للحقّ أسبل اللّه عليه ستر العصمة وخلق عليها خلق التّقوى في ظاهر أفعاله ومجاهداته ، فيكون التّقوى دثاره ، والورع شعاره ، ورزقه صحبة الصّالحين وأكرمه بمتابعة الأولياء وتعظيم ما عظّم اللّه وتصغير ما صغّر اللّه ، ويكرمه بتقوى القلب . قال اللّه تعالى :
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
( 22 : 32 ) ،