وذلك حين ينوّر اللّه قلبه بالإقبال عليه والإعراض عمّا سواه . لذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا إنّ التّقوى هاهنا » « 1 » وأشار إلى صدره . فإذا أكرمه بتقوى القلب أسقط عنه تدابيره وردّه إلى تدبير الحقّ فيه وأرضاه ثمّ يبدو عليه بعد هذا أوائل مقامات الصّدق .
فصل ( 17 )
ما بال العبيد رزقوا القراءة والسّماع وحرموا الفهم والزّيادة ، وذلك لأسباب .
أحدها : الغفلة والنّسيان ، ثمّ أكل الشّهوات وارتكاب المحظورات ، والتّقصير في الطّاعات ، واتّباع الرّخص والتّأويلات دون ملازمة الورع والتّقوى ، والمخالطة مع أبناء الدّنيا والرّكون إليهم والمحبّة لهم والدّخول معها في جمعهم ومنعها ، فيعمى القلب ويصمّ سمع السّرّ عن عواطف الحقّ وتفتر النّفس عن المجاهدات فلا يكون باطنه مراقبا ولا [ 204 آ ] ظاهره مجتهدا ورعا . فإذا أراد أن يرزق عبدا من عبيده فهم السّماع والقيام بواجب الخطاب ونبهه « 2 » لفوائد القراءة عرّى ظاهره من اتّباع الهوى والشّهوات وحلاه بحلية التّقوى والورع ، وعرّى باطنه عن الوساوس والإرادات الباطلة وزيّنه بالإيمان والإخلاص ، فيقع له إذ ذاك فهم السّماع والقيام بأوامر الخطاب . وكيف يقع للعبد فهم ما خاطبه اللّه به وهو لا يطالب نفسه بحقوقها ومواجبها ؟
فإنّ أوّل عقد عليه بعد التّوحيد وأجلّه وأشرفه الصّلاة ، وقد قيل إنّه اتّصال ، وهو في الحقيقة انفصال ، فهو أحد طرق « 3 » الاتّصال بالحقّ لكنّه ما لم ينفصل عن الكلّ ولا يباينها ظاهرا وباطنا ، سرّا وعلنا ، لا يفتح له طريق الاتّصال بالحقّ ، فلن يصل إلى طرق الحقائق من هو متعلّق بسبب من أسباب الأكوان . ثمّ هو مع ذلك يفتح صلاته بالكذب ، فكيف يرجى بركات أمر يكون أوّله كذب ، ثمّ يقول بعد ذلك : « وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا » يزعم أنّه متوجّه إلى ربّه وهو معرض عنه مقبل على الأغيار . ثمّ يقول : « حنيفا مسلما » ، أي مسلما نفسي ، وكان له ، « 4 » ولا يهدي من التّدبير والآمال الباطلة ، ولا يرضى بشيء من مجاري المقدور عليه . ثمّ يقول : « وما أنا من المشركين » وهو يشرك في
هامش
( 1 ) . مسلم ، كتاب البر والصلة ، باب تحريم ظلم ، الحديث رقم 2564 ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، دون قوله :
« ألا إنّ » .
( 2 ) . هكذا في الأصل .
( 3 ) . في الأصل : طريق .
( 4 ) . هكذا في الأصل .