تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
والرّخص ، ومعانقة الورع ، وتعظيم ما عظّمه اللّه ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، والصّبر على ما يلحقه في ذلك . قال اللّه تعالى :
وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ
( 31 : 18 ) . ويرجع فيما يشكل عليه من العلوم إلى أربابها ، يرجع في آداب الظّواهر إلى علماء الظّاهر ، ويرجع في تحقيق البواطن إلى أهل الحقائق ، ولا يتّخذ قلبه إماما ، فإنّ اللّه تعالى يقول :
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
( 38 : 26 ) ، وقال :
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ
( 28 : 50 ) . ولا يصل إلى اللّه من كان ضالّا عن سبيله ، غير واقف على سنن نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ويعلم أنّه في مجاهداته يجاهد لنفسه فلا يمنّ به على ربّه ولا على عبيده ، فإنّ اللّه تعالى يقول :
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 49 : 17 ) وقال :
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
( 29 : 6 ) . استعملك لك ليكون لك سبيل إلى التّوسّل إليه . وقال تعالى :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها
( 17 : 15 ) .

فصل ( 15 )

صحّة الزّهد وتمامه على وجوه . أوّلها الزّهد في النّفس وترك مراداتها وحملها على مخالفاتها فإنّ النّفس لا تألف الحقّ أبدا . ثمّ الزّهد في الخلق لعلمه بضعفهم وأنّ أحدا [ 202 ب ] لا يملك لأحد نفعا ولا ضرّا وأنّ النّافع والضّارّ هو اللّه لا إله سواه . ثمّ الزّهد في الرّياسة وهو أشدّ ما على النّفس فإنّ الإنسان يزهد ويجتهد كلّ الاجتهاد ليعرف به أو يذكر أو ليحمد عليه أو ليستتبع به الخلق ، ويقيم لنفسه بذلك جاها عندهم ، فيقوم إذ ذاك بحوائج النّاس ويبعث « 1 » فيها ويحدث نفسه أنّ ذلك معونة لأخيه المسلم في أسبابه ، وإنّما هو طالب الرّفعة والعلوّ في الخلق بذلك . ثمّ الزّهد في الدّنيا ، وهو أهونها . ثمّ إذا صحّت له هذه المقامات زهد في زهده ، لعلمه بأنّ كلّ ما زهد فيه فهو لا شيء وإنّما هو صفته من أيّ جهة كان فهو مغلول ، لأنّ الإنسان يزهد في الشّيء إذا كان له عنده مقدار ومن زهد فيما لا خطر له فهو أقلّ منه خطرا . لذلك كان الشّبلي يقول : « الزّهد خسّة » . ولو علم الزّاهد أنّ كلّ ما زهد فيه ما كانت ولا تكون لعلم أنّه زهد فيما لا خطر له ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول :
قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا
هامش
( 1 ) . هكذا في الأصل .