تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
عليهم إلّا بعد ( أن ) أخبر
أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
( 11 : 36 ) ، فلمّا أيس من رشدهم ورجوعهم إلى الحقّ ، إذ ذاك دعا عليهم بالهلاك . والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لمّا شاهد من جفاء قومه [ 201 ب ] ما شاهد ، قال : « اللّهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون » ، « 1 » وذلك لما تيقّن من بقايا مؤمنين فيهم وفي أصلابهم ، وذلك أنّه بعث رحمة . قال اللّه تعالى :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( 21 : 107 ) . ألا ترى أنّه لما كثر أذى قومه له طيب نفسه ، فقال : « لقد أوذي موسى بأكثر من هذا » « 2 » فصبر ولم ينتقم من قومه حيث مكنّه اللّه منهم ولو انتقم يوم « 3 » فتح مكّة حين مكّنه اللّه من أعدائه بغير جوار ولا أمان ولا عهد حتّى قال قائلهم : « أبيدت خضراء قريش بعد اليوم » فمنّ عليهم وأمّنهم وجعل دار من كان يعاديه أحد مواضع الأمن فقال : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن » . « 4 » علم بذلك أنّه لا ينتقم إلّا للّه وحده ولا ينتقم لنفسه بحال . وقال : « ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن » . « 5 » جهد جهده ألّا يبلغ محل التّشفّي والانتقام منهم . وجاءه قاتل حمزة ، فقال : « غيّب عني وجهك » ، « 6 » ولم يزده على ذلك مع ما كان من جزعه على حمزة . كلّ هذا مخالفة وتأديب للأمّة ألّا يبلغوا في أسبابهم إلى محل التّشفّي وإعلامهم في ذلك ما في مخالفة النّفس من الخير والفضل .

فصل ( 14 )

وأوائل أحوال الإرادة تركه العادات المذمومات كلّها ، ومخالفة النّفس في كلّ ما تشير به ، فإنّها الأمّارة بالسّوء ، وملازمة الأوراد الدّائمة حتّى لا تتفرّغ منه إلى شيء من أسباب الدّنيا ، ومتابعة الشّهوات ، ودرس القرآن بالتّفكّر ، وخدمة المشايخ بالأدب والحرمة ، واحترام صحبة الإخوان ، والشّفقة [ 202 آ ] والنّصح ، ودوام الصّوم وتجويع النّفس ، ومواصلة الحزن ، والسّياحة ، ولزوم الصّدق في كلّ الأحوال ، وحفظ الجوارح كلّها : السّمع والبصر واللّسان واليد والرّجل عن ارتكاب شيء من المخالفات ، وترك التّأويلات
هامش
( 1 ) . متّفق عليه . ( 2 ) . متّفق عليه . ( 3 ) . في الأصل : قوم . ( 4 ) . مسلم ، كتاب الجهاد والسّير ، حديث رقم 1780 ؛ وأبو داود ، كتاب الخراج والفيء والإمارة ، الحديث رقم 3021 ، بلفظ « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن ألقى السّلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن » . ( 5 ) . انظر تخريج الحديث السابق . ( 6 ) . الطبراني في الكبير ، في باب الحاء .