تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
النّفس لئلّا يأمن أحد من نفسه ومن شرّها بعد أن يقول الصّدّيق الأكبر : « إنّ لي شيطانا يعتريني » ، ويخاف العبد على نفسه في كلّ حال وفي كلّ نفس أن تخرج إلى ما جبلت عليه من سوء الأدب . واللّه أعلم .

فصل ( 13 )

إذا بلغ اللّه عبدا من عبيده مقام المرادين ورتبة الصّدّيقين أكرمه بإجابة الدّعاء والسّؤال في وقت الإجابة ، ويصونه عن الدّعاء والسّؤال في غير أوقات الإجابة ، [ 201 آ ] ويشرفه على طرف من الغيب بالنّور الّذي خصّه به من بين عبيده فلا يسأل إلّا ما وافق القضاء ولا يدعو إلّا في وقت تقدير الإجابة ، ثمّ لا يسأل إلّا ما يوافق رضا ربّه ، ولا يدعو إلّا بما يقرّبه إليه وذلك النّور الّذي يبصر به طرفا من الغيب ، كما قال اللّه تعالى :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
( 39 : 22 ) ، وما ذكره النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه » . « 1 » فبنوره يبصر طرفا من غيبه ويدرك منه ما لا يدرك العوام ولا يبصرونه ، فإنّهم بأنفسهم يبصرون وينظرون ، وهو بنور ربّه يبصر ويرى ، كما قال ابن عبّاس رضي اللّه عنه : « رحم اللّه عمر كأنّه ينظر إلى القضاء من ستر رقيق » . « 2 » ويكون صاحب هذا النّور في هذا الوقت أرحم بالخلق منهم بأنفسهم وأكثر شفقة عليهم منهم على أنفسهم ، فلا يرى فيهم عاصيا إلّا سأل اللّه له التّوبة ، ولا تائبا إلّا سأل اللّه أن يجعل توبته نصوحا ، ولا مريدا إلّا سأل اللّه أن يبلغه إلى درجة المرادين . ولا يختلج في صدرك قصّة نوح عليه السّلام ودعائه على أمّته وقلّة شفقته عليهم حيث قال :
لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
( 71 : 26 ) فإنّه اجتهد وعانى وأشفق عليهم وما دعا
هامش
وأنا له كاره ، وو للّه لوددت أنّ بعضكم كفانيه ، ألا وإنّكم إن كلّفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم أقم به . كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عبدا أكرمه اللّه بالوحي وعصمه به . ألا وإنّما أنا بشر ولست من أحد منكم فراعوني ، فإذا رأيتموني استقمت فاتّبعوني ، وإن رأيتموني زغت فقوموني ، واعلموا أنّ لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم » . ( 1 ) . سبق تخريج الحديث في الفصل التاسع . ( 2 ) . قد ذكر الإمام القرطبي في مقدّمة تفسيره عن المدائني ، قال : « قال علي بن أبي طالب في عبد اللّه بن عبّاس : إنّه لينظر إلى الغيب من ستر رقيق لعقله وفطنته بها لأمور » . فهذه الرواية قريبة إلى الرّواية عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه .