بشر » في الصّورة والهيكل ، لكنّه مصون في الحقيقة عن ملابسة البشرية وطباعها . ألا تراه لمّا أخبر عن حقيقة حاله قال : « لست كأحدكم » ، « 1 » فقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّما أنا بشر أغضب » لئلّا ييأس من جرى عليه من أمّته طرف من الغضب أنّه قد دخل في محظور وكبيرة . ألا ترى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كيف أدّب أمّته [ 200 ب ] فقال : « خيركم السّريع الغضب السّريع الفيء » « 2 » فإذا أسرع الفيء من غضبه لم يبلغ به حدّ الانتقام المذموم ويكون فيه معذورا . كذلك وصف النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه ما انتقم لنفسه قطّ إلّا أن تنتهك محارم اللّه فكان ينتقم للّه . وقد قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحدّة تعتري خيار أمّتي » « 3 » والحدّة هي سرعة الغضب وسرعة الفيء والرّجوع عنه من غير انتقام ولا تشفّ . ألا ترى أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال له : « أوصني وأقلل » ، فقال له : « لا تغضب » ، « 4 » بمعنى لا تغضب غضبا يجد الشّيطان إليك سبيلا فانهماكك في الغضب وبلوغك فيه إلى الحدّ المكروه من الانتقام والتّشفّي . وقد قال أبو بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه : « إنّ لي شيطانا يعتريني ، فإذا رأيتموني قد غضبت فلا تقربوني لأشتم أعراضكم وأضرب أبشاركم » . « 5 » وكان هو رضي اللّه عنه مصونا عن هذه الخصلة إلّا أنّه أحبّ أن يظهر عيوب
هامش
( 1 ) . متّفق عليه .
( 2 ) . الترمذي : الفتن ، الحديث رقم 5133 ؛ والمنذري في الترغيب والترهيب ، الترهيب من الغضب والترغيب في دفعه وكظمه وما يفعل عند الغضب ، عن أبي سعيد الخدريّ ، بلفظ : « ألا إنّ بني آدم خلقوا على طبقات شتّى ، فمنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت مؤمنا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت كافرا ومنهم من يولد مؤمنا ويحيى مؤمنا ويموت كافرا ومنهم من يولد كافرا ويحيى كافرا ويموت مؤمنا ، ألا وإنّ منهم البطيء الغضب سريع الفيء ومنهم سريع الغضب سريع الفيء فتلك بتلك . ألا وإنّ منهم سريع الغضب بطيء الفيء ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الفيء وشرّهم سريع الغضب بطيء الفيء » .
( 3 ) . الطبراني في الكبير ، باب العين ، أحاديث عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ؛ والديلمي في الفردوس ، عن أنس ، الحديث رقم 2773 ، بلفظ « تعتري الحدّة خيار أمّتي » .
( 4 ) . مسند الإمام أحمد ، مسند الأمصار رضي اللّه عنهم ؛ والطبراني في الكبير ، باب الجيم ؛ وبدون لفظ « وأقلل » في البخاري ، كتاب الأدب ، حديث رقم 5765 ؛ والترمذي في البر والصلة ، الحديث رقم 2089 ؛ وغيرهم .
( 5 ) . تاريخ دمشق لابن عساكر ، الجزء 30 ، عن وهب بن جرير ، قال : حدّثنا أبي ، قال : سمعت الحسن ، قال : لمّا بويع أبو بكر قام خطيبا فلا واللّه ما خطب خطبته أحد بعد ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ قال : « أمّا بعد ، فإنّي وليت هذا الأمر