" فقدت البلاء وقرنت بالعافية " » . « 1 » وهذا سقوط من مقام الرّجال وهذه الدّرجة هي مقام الواصلين الّذين يرون تواتر البلاء عليهم بعدا عن درجة الغفلة ، وقربة إلى الذّكر والمذكور ولذلك كان بعضهم يقول :
وكلّ مآربي قد نلت منها * سوى ملذوذ حظّي بالعذاب
البلاء هجم عليه لشوقه إلى المبتلي وقبول ما يرد عليه من جهته بالرّحب والدّعة ، فمقام الشّوق والأنس يحمل النّفوس على تلقّي البلاء وقبوله . ومن فرّ من البلاء وجزع منه فلحالين : إحداهما الشّفقة على النّفس أن يصيبها مكروه ، فالبلاء عليه نقمة ، وآخر فرّ منه شفقة على دينه أن يحمله البلاء على فقدان الصّبر والرّضا وقلّة الشّكر وخوفا [ 200 آ ] أن يحلمه ضعفه عن حمل البلاء إلى حالة مذمومة ، فهو في الفرار من البلاء معذور . كما روي عن سفيان الثّوري ، أنّه قال : « لسنا من رجال البلاء أخاف إن أصابني بلاء أن أكفر » . وبلاء الأنبياء قربة ووصلة ، وبلاء الأولياء تنبيه ويقظة ، وبلاء المريدين درجات ، وبلاء العامّة تمحيص لهم وتطهير وطريق لهم به إلى التّوبة ، وبلاء المطرودين نقمة وبعد . ومسألة البلاء والابتلاء والاختبار يكثر فيها الكلام ، وهذه أصول لمن تحقّق النّظر فيه ووفّق .
فصل ( 12 )
العبد قد يغضب لنفسه ولا يكون فيه مذموما وذلك إذا لم يخرجه غضبه عن حدّ العلم ، ولا يبلغ به إلى حدّ الانتقام والدّخول في محظور . فإنّ الإنسان خلق وجبل على حالة الرّضا والغضب ، والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر » . « 2 » وإنّما أطلق النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هذه اللّفظة لما علم من حدّة أمّته وسرعة غضبهم ، فحلّى نفسه في الظّاهر بهذه الحلية ، وإن كان عنها منزّها في الحقيقة . وقوله : « إنّما أنا
هامش
( 1 ) . لعلّ السلمي يذكر هذه الرواية عن خير النّساج ، حيث يكتب في « كتاب بيان تذلّل الفقراء » : سمعت محمّد بن عبد اللّه الطّبري ، يقول : سمعت خير النسّاج ، يقول : « دخلت بعض المساجد وإذا فيه فقير من الفقراء وكنت أعرفه .
فلمّا رآني تعلّق بي وقال : " أيّها الشّيخ ! تعطّف عليّ فإنّ محنتي عظيمة " . قلت : " يا هذا ! وما محنتك ؟ " قال : " فقدت البلاء وقورنت بالعافية ، وأنت تعلم أنّ هذه محنة عظيمة " . قال ( خير النّساج ) : " فنظرت في أمره ، فإذا قد فتح عليه شيء من الدّنيا " » . انظر « كتاب بيان تذلّل الفقراء » في هذه المجموعة ، الفصل 22 .
( 2 ) . مسلم ، كتاب البر والصلة والآداب ، الحديث رقم 5133 ؛ وفي مسند الإمام أحمد ، حديث السيدة عائشة رضي اللّه عنها .