تحقّق في المعرفة وشاهد وتحقّق في الإيمان استوى عنده المدح والذّمّ فلم يفرح بهذا ولم يجزع بهذا لعلمه أنّ الكلّ من عين واحد ، وأنّه ليس للعبد اختيار فيما يبدو له ويجري عليه .
فصل ( 11 )
مقامات البلاء [ 199 آ ] على ضروب . منها كفّارات ودرجات ، ومنها اختبار وبلوى ، ومنها تطهير وتقديس ، ومنها ما يكون من استجلاب الدّعاوي ، ومنها قربة وتقريب ، ومنها تنبيه عن غفلة ، ومنها يقظة عن فترة ، ومنها توهّم العبد من نفسه حالا لم يصل إليها بعد فيردّ عليه شيء من البلاء يريه عجزه وقصوره وبعده عن ظنّه وتوهّمه ، فيردّه بذلك إلى الاستقامة ، ويزيل عنه الظّنون والدّعوى ، ومنها البلاء الّذي هو البلاء على الحقيقة وهو الغفلة عن المبتلي ، ومنها بلاء الأنبياء ، وهو ليعلموا به الخلق آدابهم مباشرة البلاء وحسن الصّحبة معه والصّبر عليه والرّضا به ، ومنها بلاء الأولياء وذلك لحالين ، أحدهما ليوصله بذلك إلى مقام ودرجة لا يبلغه إليه إلّا بالصّبر على ذلك البلاء والرّضا به .
وإذا أراد اللّه تعالى أن يظهر وليّا من أوليائه كان مستورا في الخلق يبليه ببلاء ويصبره فيه ويرضيه فيه فيكشفه للخلق بذلك الوجه . وهذا أحد وجوه كشف حال الأولياء .
والبلاء له وجوه . ولا يخلو بلاء الاختبار والابتلاء والقربة من معونة من الحقّ معه وحفظ فيه وحسن للمبتلي في أوّل بلائه أو في وسطه أو في آخره أو في جميع أحواله . روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنّه قال : « إنّ اللّه ينزل المعونة عند شدّة المؤونة وينزل [ 199 ب ] الصّبر عند شدّة البلاء » . « 1 » وقد يكون البلاء بلاء إبعاد وطرد . فإذا أراد اللّه تعالى أن يبعد عبدا من عبيده من قربه ويحرمه خدمته ، صبّ عليه البلاء ونزع منه الصّبر والرّضا وألزم لسانه الشّكوى فذلك بلاء نقمة وبعد . وقد يتنعّم « 2 » قوم من العارفين بالبلاء وتلذّذوا فيه كما تلذّذ العوام بالعوافي ، وتنعّموا به حتّى إذا فقدوا البلاء جزعوا وإذا باشرهم البلاء أنسوا وفرحوا . كذلك حكي أن بعض العارفين قال : « دخلت بعض المساجد فرأيت فيه فقيرا كنت أعرفه ، فقام وتعلّق بي وقال : " ارحمني فإنّ بلائي عظيم " . فقلت : " وما هو ؟ " قال :
هامش
( 1 ) . البيهقي في الشعب ، الحديث رقم 9956 ، بلفظ : « إنّ المعونة تأتي من اللّه للعبد على قدر المؤونة ، وإنّ الصّبر يأتي من اللّه على قدر المصيبة » .
( 2 ) . في الأصل : ينعّم .