من اللّه وتمام معرفتهم به وحسن مساعدة التّوفيق لهم في أحوالهم وأفعالهم . قال اللّه تعالى :
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ
( 38 : 47 ) فأحبّ حال إليهم في هذه الأوقات الخلوة والعزلة وترك الانبساط مع الخلق قولا وفعلا ، ثمّ بعد هذا يستوي عندهم المدح والذمّ ، إلّا أنّهم ربّما يسمعون بذكر جميل لهم على لسان عبد صالح فيفرحوا به ، لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أنتم شهداء اللّه في الأرض » ، وربّما يسمعون بذكر قبيح لهم من عبد صالح فيجزعون منه ويخافون ، لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور اللّه » . « 1 »
فصل ( 10 )
من سكن إلى مدح الخلق وجزع من ذمّهم فهو بعيد من عين الحقّ والمعارف . [ 198 ب ] وإنّما يجب على العبد أن يطالع في مادحه وذامّه اختبارا وابتلاء ويعلم أنّ اللّه ابتلاه بذلك ليعلم كيف سكونه إلى الخلق وجزعه منهم ، وما الّذي بقي فيه من أوصاف الطّبائع . فإذا كان العبد مؤيّدا بالتّوفيق نظر إلى المدح بعين الاغترار والاستدراج وإلى الذمّ بعين التّحقيق والحقيقة ، فيرغب إلى اللّه تعالى في أن يحقّق فيه مدح مادحه ويعيذه من شرّه وأن يزيل عنه ما يتحقّقه من نفسه ممّا أوجب الذمّ ، فإنّ النّفس هي الأمّارة بالسّوء ، وقلّ ما تألف الحقّ ، ويخاف أنّ ذلك سرّ مكنون فيه حيث أنطق اللّه به ذامّه فيستعيذ باللّه من ذلك .
ولذلك كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو : « اللّهمّ اجعلني خيرا ممّا يظنّون ولا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما لا يعلمون » . « 2 »
وإذا دخل العبد في مقام المعرفة سمع المدح والذمّ من الحقّ ويعلم أنّه أنطق العبيد بذلك ، فيكون إذ ذاك أشدّ جزعا وحزنا ، إنّه ربّما قيّض اللّه مادحه ليسكن إلى ذلك فيردّه إلى حال الاغترار ، وربّما عرف منه ما يوجب ذمّا فأنطق عبدا من عبيده بذمّه ، وهو مقام عزيز . وإذا
هامش
( 1 ) . من الترمذي ، كتاب التفسير ، الحديث 5133 المنذري ؛ والطبراني في الكبير ، باب الصاد .
( 2 ) . خبر ذكره الهندي في كنز العمّال ، رقم 35704 في مسند الصّدّيق ، قال : « كان أبو بكر إذا مدح قال : اللّهمّ أنت أعلم منّي بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم ، اللّهمّ اجعلني خيرا ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون . عن العسكري في المواعظ » ؛ وذكره ابن حجر في فتح الباري ، كتاب الأدب ، بلفظ : « وقال بعض السّلف :
إذا مدح الرّجل في وجهه فليقل : " اللّهمّ اغفر لي ما لا يعلمون ، ولا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيرا ممّا يظنّون " » .