النّاس له على ذلك فهو من أخسّ العبيد حالا وأفسدهم طريقة ، وأبعدهم عن مناهج الصّادقين . قال : « عجب ممّن يفرح بما لغيره ، والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : [ 197 ب ] " المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور " ، « 1 » واللّه تعالى يقول :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
( 25 : 23 ) » لأنّهم تزيّنوا بأحوال هم عنها خوال ، وعملوا أعمالا بعيدة عن الإخلاص ، ولا يطأ بساط الحقّ إلّا الصّادقون « 2 » في أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم ، ومن صفى صفي له ومن خلط خلط له .
فصل ( 8 )
الخوف حال لا يفارق العبد المتيقّظ بحال ، لأنّه لا يقع الأمن للخائف إلّا إذا أمن من خوفه ، وهو إذا تيقّن متحقّق في الإيمان غير مترسّم به ، وهذا له عند آخر نفس حيث لا ينفعه الاعتذار ولا يمكن من الرّجوع . وإذا ترسّم العبد برسوم الإسلام ظاهرا وتحقّق في مقام الإيمان باطنا فإنّه يكون أبدا بين خوف ورجاء . كما حكي اللّه عن أنبيائه عليهم السّلام :
وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
( 21 : 90 ) . فإذا كان هذا حال الأنبياء فما ظنّك بمن دونهم . ولا شكّ أنّ الأنبياء تحقّقوا لأنفسهم تحقيق الإيمان لكنّهم أظهروا الخوف والرّجاء لمحلّ الاتّباع بهم والاقتداء بآدابهم . وأمّا إذا تحقّق الوليّ في ولايته على مذهب من يرى ذلك فإنّه يسقط عنه إذ ذاك حال الخوف ، ويرد إلى حال الهيبة ، فكما يتقلّب العوام في حال الخوف ، يتقلّب هو في حال الهيبة ، لأنّ الهيبة أرقّ وألطف ، وكما يتقلّب العوام في حال الرّجاء يتقلّب هو في حال الأنس والطّمأنينة . وهذا على مذهب من يقول : « إنّ الوليّ [ 198 آ ] يعرف أنّه وليّ ويتيقّن ذلك » . فأمّا من قال : « إنّه لا يتيقّن » فإنّه يقول إنّ الخوف لا يزايل الوليّ بحال . واللّه أعلم .
فصل ( 9 )
خالصة اللّه قوم أتعبوا أنفسهم في خدمته فلم يستروحوا إلى شيء سوى عبادته وذكره ، وراقبوا القلوب بحسن المراعاة حتّى لم تغفل عن مشاهدة موارد الحقّ عليه عدّوا فترة النّفوس عن الخدمة ذنبا كما عدّ أرباب المعاملات ترك الفرائض ذنبا ، وعدوّا غفلة القلوب عن مشاهدة الموارد ذنبا كما عدّ العوام الوساوس الباطلة ذنبا ، وذلك لقربهم
هامش
( 1 ) . متّفق عليه .
( 2 ) . في الأصل : الصادقين .