لزمت الجوارح آداب المعاملات وسقط عنها مؤنتها وصار مستروحا في المعاملة ، كما كان قبل ذلك تعبا فيها ، وصار العمل كلّه عمل القلب . لذلك قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لبلال : « أرحنا بها » « 1 » أي أرحنا بها عن الخوض في الدّنيا والنّظر إليها . وقال اللّه تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
( 50 : 37 ) أي قلب حيّ مؤيّد بالتّوفيق لا يغفل عن الموارد والمصادر .
فصل ( 3 )
الوسواس على ضربين . أحدهما أن يكون عبد ضعيف استولى عليه الشّيطان لضعف حاله وقلّة انتباهه وكثرة غفلته ، فأطاعه ورضي الشّيطان منه بالغفلة وما هو عليه من أفعاله قبل اشتغال الشّيطان به . قال اللّه تعالى :
إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ
( 16 :
100 ) . وعبد تيقّظ عن سنة الغفلة فالشّيطان يدور حوله ويزيّن في عينيه أفعاله ويحمله على الرّياء والسّمعة ، فربّما ينتبه في مجاري الأحوال عليه فيستعيذ باللّه منه ويلزم طريقة الإخلاص فمرّة له ومرّة عليه ، والشّيطان منه في تعب لا ييأس منه فيتركه ولا يصيده فيحمله على الهلاك . وعبد مخلص للّه في أحواله وأفعاله ييأس الشّيطان منه لتمام مراقبته لأحواله ومراعاته لأوامر [ 196 ب ] الحقّ عليه . فربّما يغفل غفلة يسيرة فيلقي الشّيطان إليه شيئا من وسواسه ، ثمّ يتداركه ربّه بالعصمة والتّوفيق فيرجع إلى طريقته . قال اللّه تعالى :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ
( 15 : 42 ) . وقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحمد للّه الّذي ردّ كيده إلى الوسوسة » . « 2 »
فصل ( 4 )
إذا ألف المريد حاله وفرح بها وسرّ بإشراف الخلق على أفعاله وأحواله تزلّ قدمه ، فإن تداركه اللّه منه تبوفيق وحفظ ، وإلّا سقط وفي السّقوط خطر ، ربّما ينتعش وربّما يهلك . ومن أحبّ رفعة المنزلة عند الخلق بشيء من أفعاله أو أحبّ أن يذكر به أو يكرم
هامش
( 1 ) . أبو داود ، كتاب الأدب ، الحديث رقم 4986 ، بلفظ : « يا بلال ، أقم الصّلاة أرحنا بها » ؛ وفي مسند الإمام أحمد ، مسند الأنصار رضي اللّه عنهم ؛ والطبراني في الكبير ، باب السين ، سلمان بن خالد الخزاعي .
( 2 ) . أبو داود ، كتاب الأدب ، الحديث رقم 5112 ؛ وفي مسند الإمام أحمد ، مسند ابن العبّاس بن عبد المطلب ، بلفظ « جاء رجل إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : يا رسول اللّه إني أحدث نفسي بالشّيء لأنّ أخرّ من السماء أحبّ إليّ من أن أتكلّم به . قال : فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، الحمد للّه الّذي ردّ كيده إلى الوسوسة » .