ظاهر العلم .
( 16 ) ثمّ اعلموا أنّ له شروطا وآدابا يطول شرحها ، فمنها : أنّه استرواح لأهل الحقائق إذا اشتدّت عليهم أوقاتهم ، وضاقت بهم أحوالهم ، وخافوا على أسرارهم العجز عن حمل الموارد ، استروحوا إلى السّماع ، فربّما يزيدهم ذلك كمدا وعجزا وربّما يؤدّيهم إلى حال الاسترواح .
( 17 ) . وسماع المريدين من الغفلات الواردة عليهم فإنّ حال المريد ووقته لا يحتمل السّماع ، ويخاف عليه أن يصير السّماع له عادة فيشغله عن إرادته ، ولا يحلّ إلّا لمن عمر أوقاته [ 208 ب ] بالمجاهدات والرّياضات ، وأدّب باطنه بدوام المراعاة والمراقبة ، فإذا ورد السّماع على ظاهره صادفه معمورا بآداب السّنن فيحلّيه بحلية الخشوع والتّواضع والطّمأنينة ، وإن ورد على باطنه صادفه معمورا بالمراعاة والمراقبة فيزيده كشوفا ومشاهدة ونورا وضياء وفسحة . وإذا شاهد المستمع المحقّق سماعه مشاهدة الحقّ إيّاه يؤدّيه حاله إلى الانكسار والخشوع والسّكون لما أظلّه من شهود الهيبة وعزّ الجبروت ، وهذا حال الواصلين المقرّبين . وإذا شاهد مشاهدته للحقّ حمله ذلك على الانزعاج والصّياح والحركة ، فتراه شبه الوله المدنف ، وهذا حال المحبّين والمشتاقين . ومنهم من يغار الحقّ عليه فلا يسمع بعد سماعه من الحقّ شيئا [ 209 آ ] إلّا أن يسمع منه كما قيل :
أصمّني سرّهم أيّام فرقتهم * هل كنت تعرف سرّا يورث الصّمما
ومنهم من يقيم الحقّ سمعه لسماع كلّ شيء ولا يؤثّر عليه لسماعه كلّ شيء منه ورجوعه في كلّ شيء إليه .
( 18 ) ولا يصلح السّماع إلّا لمن يكون بالصّفة الّتي سمعت جدّي إسماعيل ( أبي عمرو بن نجيد ، ) يقول : « لا يحلّ السّماع إلّا لمن كانت نفسه ميّتة وقلبه حيّا ، فأمّا من كانت نفسه حيّة وقلبه ميّتا فلا يحلّ له السّماع » . « 1 » ولا يصلح إلّا لعالم ربّاني يميّز بين الطّبع والشّهوة والإلهام والوسوسة .
هامش
( 1 ) . ورد هذا الخبر في « كتاب السماع » 16 .