الأحاديث التي سبق مؤلفوها السلمي زمنا أو عاصروه . ويبدو لنا اثنا نقدر ان نعتبر كتاب السلمي هذا همزة وصل تجمع بين كتب الأدب والكتب الصوفية وانه من نوع التصانيف التي صنفها الصوفيون القدماء ( أو بالأحرى الزهاد ) والتي لم تبرز فيها الفكرة الصوفية النظرية .
وقمين بنا ان نذكر ان كتب الأدب القديمة أصلها كتب التواصي من نوع مصنفات ابن المقفع . وقد أشار الأستاذ جب إلى أصل الأدب العربي وذكر « الرسائل الوعظية التي تشتمل على إرشادات أخلاقية وعملية بأقلام كتاب كانت الكتابة مهنتهم » « 29 » ) .
وقد عبرت هذه الكتب تعبيرا واضحا عما حدث في المجتمع الاسلامي من التغييرات .
فإنها لا تستند إلى عناصر عربية كما انها تعوزها الصبغة الدينية الاسلامية . فإنك عبثا تحاول ان تجد في كتب ابن المقفع اي اثر للعقائد الاسلامية . فقد كانت هذه الكتب تماشي ميول الطبقات المثقفة الدخيلة في المجتمع الاسلامي والطبقات العربية الارسطوقراطية التي تشربت بالثقافة الأجنبية وأبدت اهتماما زائدا بشؤون الفلسفة اليونانية والتاريخ الفارسي « 30 » ) . وهذه الكتب تحتوي على إرشادات في معاملة الرفاق ورجال السلطان وتحث على حسن السلوك وهي حافلة بحكم فلاسفة الهند واليونان في أبواب الأدب والمروءة والصداقة . فإنك تكاد لا تجد فيها للاسلام ذكرا ما عدا البسملة والكلمات القليلة في صدر الكتاب والصلاة على النبي في آخره .
ولكننا نلمس بعد حقبة يسيرة تغييرا طرأ على كتب الأدب إذ قد تسرب إليها الكثير من التراث العربي القديم . فإنك تجد في كتب الأدب في مرحلة تطورها الثانية كثيرا من أقوال الرجال المشهورين باخلاقهم في الجاهلية وفي صدر الاسلام . فأصبح الأدب في مرحلته هذه مزيجا يجمع بين التراث العربي القديم وبين المعاني الحديثة التي اجتاحت المجتمع الاسلامي . وفي هذه المرحلة تنجلي في الأدب ظاهرة لها اهميّتها ، أدت إلى تحول في الأدب . ونعني بذلك النفوذ الديني الذي اقتحم حتى هذه الأوساط « 31 » ) . ولم يكن - مثلا - للوشاء بد من الاستشهاد بالقران والحديث عندما وصف لنا الظريف ، الشخصية المثالية في المجتمع . ويمكنك ان تقف على مدى هذه
هامش
( 29 ) الأدب والفن - الجزء الأول ( 1945 ) ص 4
( 30 ) حتى : تاريخ العرب ص 401
( 31 ) انظر : شخصية محمد لأندري ص 310