دونه في الرتبة . . ولا يكون آكولا ولا متهتكا ولا خائفا من الموت ولا جامعا للمال الا بقدر الحاجة بما يحتاج إليه . . ويدع الوقيعة في الناس ؛ وإن أراد تهذيبهم هذبهم بنصائح غير مؤلمة ؛ وان خالطهم ببدنه وخالفهم بخلقه بالسر فله ذلك . ويعود لسانه قول الخير والصدق ويعين الاخوان بما يفضل منه ؛ فمن فعل ذلك فهو حكيم حقيقي » « 35 » ) .
فان السلمي يوصي بنفس التواصي ولكن المثل الأعلى عند السلمي هو المريد الذي بلغ درجة الكمال في معاملته لاخوانه ؛ أما المثل الأعلى عند الفارابي فهو « الحكيم الحقيقي » . . . وقد أصاب الدكتور عثمان امين حيث قال : « وتجد الأخلاق الرواقية أيضا عند متصوفي الاسلام وزهادهم الأولين . . . ولا شك ان تفقد الانسان عيوب النفس عادة ترجع إلى الأخلاقيين الرواقيين وأنصار الأفلاطونية الجديدة » « 36 » ) .
وهناك مصدر آخر لكتب الأخلاقيات وهو الحديث النبوي فان الدين الاسلامي دين عملي وعلم الاخلاق في الاسلام متصل بصلة لا تنفصم عراها بالشريعة الاسلامية « 37 » ) ولا يخلو كتاب من كتب الحديث من ذكر آداب النبي في معاملته للناس ، فإنه يجب على المؤمن أن يقتدي بالنبي في اعماله وتصرفاته . ومن الطبيعي ان هذه الأبواب أمست مراجع لمؤلفي كتب الأدب ولمؤلفي الكتب في آداب الصحبة من رجال الصوفية . وقد اقتبس المؤلفون من المتصوفين هذه الأحاديث وانما أضافوا إليها التعاليم الصوفية وحلوها محكم الأولياء وأقوال أقطاب الصوفية والزهاد . ومن هذا النوع تآليف ابن أبي الدنيا التي ما زال فيها عنصر الحديث النبوي هو الغالب إلى ما هناك من حكايات وأقوال الزهاد والسلف الصالح .
وهناك نوع خاص من تصانيف الحديث النبوي كان الغرض منه الوعظ والحث على التمسك بمكارم الأخلاق وقد سعى مؤلفوها في تقييد أحاديث ذات مغزى خاص . ويطيل مؤلفو هذه الكتب الكلام في فضل الفقر والورع وفي ذم الغنى والحسد الخ . ومن هذا القبيل كتب أبي الليث السمرقندي . وقد أوضح أبو الليث مقاصده حيث قال : . . « ينبغي أن لا يقتصر على الفقه ولكن ينظر في علم الزهد
هامش
( 35 ) راجع مقال الدكتور عثمان أمين : « الرواتية والاسلام » - « المشرق » كانون الثاني 1945 ص 46 ؛ وكتب إلي الأستاذ الدكتور ابلسنر مؤكدا أن هذه الرسالة إنما هي منسوبة إلى الفرابي .
وقد انتهى إلى هذا الرأي الأستاذ ف . روز نتهال في بحثه في مجلة « المشرقيات »Orientalia( سنة 1937 ص 64 ) وشاركه فيما ذهب اليه المرحوم پ . كراوس .
( 36 ) نفس المرجع ص 47
( 37 ) انظر : ليفي ، علم المجتمع ج 2 ص 67 ؛ راجع أيضا : حتى : تاريخ العرب ص 400