فلم يرجعوا منها إلّا إلى مقدار لم يبح « 4 » لهم الشريعة تركه من ستر العورة أو أخذ من الطعام مقدار ما يتقوّون به على أداء الفرائض . جعلوا التقلّل من الدنيا وهجرانها والإعراض عنها شعارهم فسمّوا فقراء ؛ قال اللّه تعالى :
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ
« - 10 » .
8 والفقر الذي اختاروه وسمّوا به
أن يكون فقره عن الأكوان أجمع وتركه لها كلّها إلى أن يكون فقره إلى مكوّن الأكوان ؛ وإنّ من أفقره شيء أغناه وجوده ، ومن استغنى بشيء غير اللّه تعالى فهو المذموم في غناء « 1 » فهم لا يغنيهم إلّا الحقّ لأنّهم ما افتقروا إلّا إليه فلا يستغنون إلّا به « - 1 » . لذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : كاد الفقر أن يكون كفرا « - 2 » ، أي كاد الفقر إلى سوى اللّه تعالى أن يكون كفرا . فالفقير على الحقيقة من يكون فقره إليه لا إلى أحد سواه ؛ والفقر ضدّ الغناء ، واللّه تعالى حكم لنفسه بالغناء ووصف عبيده بالفقر فقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
« - 3 » . وكما لا يجوز أن يتحوّل غنى الحقّ فقرا [ 26 آ ] لأنّه صفة من صفات « 2 » ذاته . كذلك لا يجوز أن يتحوّل فقر العبيد غنى بل يتحوّل فقرهم استغناء فيكون في حالة استغنائه أشدّ فقرا إلى من استغنى به ( منه ) في حال فقره إليه . فهذا طرف من حقيقة الفقر والغناء والاستغناء وهذا فقر الخصوص ؛ ثمّ فقر العامّة وهو أنّ العبد فقير إلى ما يغنيه وجوده : فقير إلى دنيا يغنيه وجودها وفقير إلى رئاسة يغنيه حصولها وفقير إلى ولاية يغنيه كونها ، وهذا كلّه من الفقر المذموم الذي تعوّذ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم منه حيث روي عنه في دعائه صلوات اللّه عليه : أعوذ بك من الفقر « - 4 » ؛ وقال عليه السلام : كاد الفقر أن يكون كفرا ؛ وقال صلوات اللّه عليه : ليس الغنى بكثرة العرض . إنّما الغنى غني النفس « - 5 » عمّا يفتقر إليه من هذه الأدناس ؛ وفقير عدم 7
هامش
( 4 ) كذا . ولعل الأفضل « تبح » .
( - 10 ) سورة البقرة 273 .
8
( 1 ) كذا . ولعل الأفضل « غنائه » .
( 2 ) الأصل : صفاته .
( - 1 ) قارن جوامع فقرة 164 .
( - 2 ) راجع القشيري ص 125 س 1 ؛ عقد الدر ص 87 س 40 ؛ الفتح الكبير ج 2 ص 309 س 14 ؛ ريتر ص 225 والمراجع المسجلة هناك .
( - 3 ) سورة فاطر 15 .
( - 4 ) راجع ونسنك ج 5 ص 186 مادة « فقر » ؛ ريتر ص 225 والمراجع المسجلة هناك .
( - 5 ) راجع ونسنك ج 5 ص 17 مادة « غنى » ؛ الرياضة ص 64 س 15 ؛ قوت ج 1 ص 508 س 23 ؛ اللمع ص 213 س 14 ، ص 521 س 10 ؛ احياء ج 3 ص 190 س 14 ، ج 4 ص 167 س 10 ؛ الذريعة ص 130 س 3 ؛ عقد الدر ص 74 س 33 ؛ نشر المحاسن ج 2 ص 38 س 28 .