الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً
« - 1 » . أنعم على قوم بما فتح عليهم من زوائد برّه وإنعامه ولا يشهد أحد منهم في حاله وأوقاته نفسه ولا فعله بل يشاهد فعل اللّه تعالى به وفضله عليه ، فإنّ من شهد نفسه نفسا سقط عن درجة المحقّقين . وإذا تحقّق المريد في إرادته فالواجب عليه أن يمّيز بين هذه الأحوال وإذا وردت عليه مقامة من الزهد والتزهّد والصبر والتصبّر « - 2 » واليقين والتيقّن والورع والتورّع والحزن والتحزّن والبكاء والتباكي والفهم والتفهّم والخوف والتخوّف والذوق والتذوّق وما يجري مجراها فيميّز بينها ويحمل نفسه على الأتمّ لأنّ المتفعّل قاصر عن درجة الفاعل والفاعل أتمّ مقاما وأسلم بركة ؛ فإذا صحّت له هذه المقامات وسلم له ظاهره وباطنه من الريب والتهم وساعده التوفيق بدا له أوائل التصوّف .
7 [ 25 آ ] قال الجنيد « 1 - » رحمة اللّه عليه : إذا وفّق اللّه المريد ألقاه إلى الصوفيّة فيجعل نهايته في الإرادة بدايته في التصوّف « 2 - » ، لأنّ النهاية في الإرادة صفاء الظاهر والباطن من كلّ دنس فإذا صفا في إرادته صوفي في صفائه فسمّي صوفيّا ؛ وإذا دخل في أوائل التصوّف كان أشدّ مواظبة على الأوراد منه في حال الإرادة لأنّه كان في حال الإرادة تعبا مجاهدا وهو في حال التصوّف مستروح فيه لأنّه صار مرادا بعد أن كان مريدا ومحمولا بعد أن كان حاملا فتراه دائم المجاهدة ملازما للعبادة مستعملا للسنن معتقدا أصحّ اعتقاد لازما لطريقة أئمّته ومشايخه مباينا لمن يخالفه ويخالف أئمّته ، فإنّ الصوفيّ من تكون « 1 » أفعاله قدوة للمريدين فتراه إذا دخل في التصوّف مستبشرا بعد أن كان عابسا وضاحكا بعد أن كان باكيا ومنبسطا بعد أن كان منقبضا ومتواضعا بعد أن كان متكبّرا قد أباح ظاهره للخلق أكلا وشربا ومجالسة وعشرة وسماعا وغير ذلك ، وضنّ بباطنه أن يشرف عليه أحد كما كانت أخلاق المريدين وآدابهم ومجاهداتهم ظاهرة . فأوّل ما يجب على الصوفيّ أن يأخذ نفسه بالأدب ثمّ بالأخلاق 6
هامش
( - 1 ) سورة النساء 69 .
( - 2 ) قارن عدة الصابرين ص 12 .
7
( 1 ) الأصل : يكون .
( 1 - ) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد ( توفي 297 ه ) . راجع طبقات ص 155 والمراجع المسجلة هناك .
( 2 - ) قارن تذكرة الأولياء ج 2 ص 25 س 24 ؛ الأنوار القدسية ج 1 ص 151 س 17 ؛ نشر المحاسن ج 2 ص 108 س 22 .