ورأى خلوّه من الأسباب والأحوال نظر إليه نظر شفقة ورحمة ورعاية ومراعاة لأحواله فيدلّه في كلّ وقت على ما هو أولى وأليق بحاله فيتأدّب بأدبه ويتّبع أمره فيسهل على المريد بحسن تهذيب « 3 » إمامه له الهجوم على الأحوال ولا يعجز عن شيء من آدابه وذلك لقوّة دليله لا لقوّة نفسه لأنّ الدليل يحمل عنه ببركة نظره إليه وشفقته عليه أثقال المؤن والأهوال ، وبقدر نظره إليه وشفقته عليه يفتح عليه زوائد التوفيق في أوقاته ؛ ألا ترى أنّ النبيّ صلّى اللّه ( عليه وسلّم ) لمّا كان نظره إلى أبي بكر الصدّيق رضي اللّه عنه أتمّ وشفقته عليه أعمّ وقلبه إليه أميل وحاله منه أقرب كيف أثّر فيه بركات ذلك [ 23 ب ] وكيف وفّق أبو بكر رضي اللّه عنه لمّا سأل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الصدقة للخروج عن جميع ملكه حتّى قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : ما ذا أبقيت لنفسك ؟ قال : اللّه تعالى ورسوله ، أي الذي لا يفنى ويبقى أبدا ، فإنّ اللّه هو الباقي ، لم يزل ولا يزال « - 2 » . حكي عن أبي بكر الواسطيّ « - 3 » رحمه اللّه أنّه قال : لولا حشمة مشاهدته صلّى اللّه عليه وسلّم لما قال : ورسوله عليه السلام ، وكان يفرّد « - 4 » .
ألا ترى لمّا سقط عنه حشمة مشاهدته صلّى اللّه عليه وسلّم « 4 » كيف رجع إلى حال التفريد فقال : من كان يعبد محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم فإنّ محمّدا قد مات ومن كان يعبد ربّ محمّد فإنّه حيّ لا يموت ، وقرأ :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ
« 5 »
ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
« - 5 » . ولمّا كان نظر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه دون نظره إلى أبي بكر رضي اللّه عنه أثّر فيه بقدره فجاء بنصف ماله فقال له : ما أبقيت لنفسك ؟ قال : نصف مالي ؛ فروي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : ما بين صدقتيكما كما بين قوليكما « - 6 » . ولمّا كان نظره عليه السلام إلى سعد رضي اللّه عنه دون ذلك فردّه إلى ثلث ماله فقال : والثلث كثير ، وذلك 4
هامش
( 3 ) الأصل : تهدي ( ؟ ) .
( 4 ) الأصل : + كيف رجع إلى التفريد فقال : من كان يعبد محمدا صلى اللّه عليه وسلم .
( 5 ) الأصل : افاين .
( - 2 ) راجع اللمع ص 210 س 17 ؛ حقائق ورقة 28 آ س 18 ، ورقة 33 ب س 8 ، ورقة 34 آ س 18 ، ورقة 94 آ س 9 ، ورقة 120 آ س 12 ؛ نشر المحاسن ج 2 ص 373 س 13 . وقارن الأربعون ص 11 س 11 .
( - 3 ) هو أبو بكر محمد بن موسى الواسطي الفرغاني ( توفي بعد 320 ه ) . راجع طبقات ص 302 والمراجع المسجلة هناك .
( - 4 ) قارن اللمع ص 169 س 1 .
( - 5 ) سورة آل عمران 144 .
( - 6 ) راجع الخراز ص 24 س 6 ؛ حلية ج 1 ص 32 س 9 ؛ الكواكب الدرية ج 1 ص