تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة آثار السلمي — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
ترك الدنيا والإعراض عنها والإقبال على الآخرة وعلى ما يفوته منها على دوام الأوقات وعلى قلّة الأكل وقلّة النوم وقلّة الكلام وعلى الخلوة والعزلة وقلّة الانبساط وقيام الليل وكثرة البكاء على ما سلف من أيّامه وتضييعه أوقاته وخسرانه عمره ؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه [ 22 ب ] وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وما ذا عمل فيما علم « - 3 » . فإذا داوم على هذه الأحوال منّ اللّه تعالى عليه بأن يجعل توبته نصوحا « - 4 » ، فإذا صحّ له مقام التوبة لاح له لائح من أنوار المحبّة ؛ لأنّ اللّه تعالى يقول :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
« - 5 » . وإذا صحّت توبتهم وصحّت طهارتهم فتلك اللائحة تحملهم « 2 » على الاجتهاد وعلى المجاهدة وتقوّي « 3 » على الطاعات وتضعّف « 4 » النفس عن المخالفات والطبائع فيحمل القلب النفس على ترك حظوظها وطبائعها المذمومة من الشحّ والبخل والبذل وسائر الصفات المذمومة ( إلى ) أوصاف محمودة ؛ يروى عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : ما جبل اللّه وليّا إلّا على السخاء « - 6 » . فبالغيبة « 5 » والبهتان الصدق والعدل ؛ وفي الحديث : قال النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّ الرجل ليتحرّى الصدق حتّى يكتب عند اللّه صدّيقا « - 7 » . وبالشحناء والحقد سلامة الصدر وإرادة الخير ؛ قال اللّه تعالى :
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
« - 8 » . وبالطمع القناعة ، وكذلك على هذا . فإذا صفت له نفسه ولزم طريق رشده وتخلّق بهذه الأخلاق التي ذكرناها يدخل في حدود الإرادة ومقاماتها .

3 وأوّل الإرادة أن يترك إرادته كلّها التي ألفتها النفس من أسباب الدنيا

فيتخلّى بالدنيا بكلّيّتها حتّى لا يرجع منها إلى معلوم ولا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود فتكون « 1 - » الدنيا عنده كما لم تكن فإنّها ما كانت وعن قريب لا تكون « 2 - » . والمريدون ثلاثة : مريد 2
هامش
( 2 ) الأصل : يحملهم . ( 3 ) الأصل : ويقوي . ( 4 ) الأصل : ويضعف . ( 5 ) الأصل : وبالغيبة . ( - 3 ) راجع ونسنك ج 5 ص 325 مادة « قدم » ؛ عدة الصابرين ص 158 س 1 . وقارن القشيري / شرح ص 150 س 4 . ( - 4 ) قارن سورة التحريم 8 . ( - 5 ) سورة البقرة 222 . ( - 6 ) راجع اللمع ص 163 س 15 ؛ حقائق ورقة 89 آ س 4 ؛ الكواكب الدرية ج 1 ص 24 س 15 . ( - 7 ) راجع ونسنك ج 3 ص 297 مادة « صدّيق » ؛ القشيري ص 96 س 35 ؛ الكمشخانوي ص 174 س 16 ؛ نشر المحاسن ج 2 ص 61 س 16 ، 24 . ( - 8 ) سورة الشعراء 89 . 3 ( 1 - ) الأصل : فيكون . ( 2 - ) الأصل : يكون .
مجموعة آثار السلمي — صفحة 144 | أبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمي